صفحة جزء
قصة خيالية عن احتيال معاوية

لتطليق زوج ابن عامر ليتزوج هو منها وما نجم عن ذلك

حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثنا ابن عائشة ، قال الكوكبي وحدثنا عسل بن ذكوان قال حدثنا التوزي عن أبي عبيدة ، قال الكوكبي وحدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني شعيب بن صخر ، قال الكوكبي وحدثنا محمد بن القاسم الضرير قال حدثنا ابن عائشة عن محمد بن المختار عن أبيه ، يزيد بعضهم على حديث بعض ، قالوا : كان عند معاوية بن أبي سفيان جماعة نفر من سماره في ذات ليلة ، فقال : والله لقد فني مني اللذات من المطاعم والمشارب إلا من صبي صغير يلاعبني وألاعبه وأضمه إلى صدري ، فقال عمرو بن العاص : أفلا أدلك يا أمير المؤمنين على امرأة لو تزوجتها عدت بها شابا في سن ابن ثلاثين سنة ثم لا تزال معها أنعم الناس عيشا بقية عمرك؟ قال معاوية : ومن هي؟ " قال محمد بن القاسم أبو العيناء دون الجماعة : هي فاطمة بنت عبد الرحمن بن سهل ، وقالت الجماعة دون محمد بن القاسم : هي هند بنت سهيل بن عمرو ، وأحسبه هو الثبت قال معاوية : أوليست تحت عبد الله بن عامر بن كريز؟ قال : بلى ، قال : فبئس ما عرضت به إلي ، أن تذكر زوجة رجل من خيار قريش ، قال عمرو : رأيتك حدثت نفسك بشيء فعرضت عليك ما عرضت ، وقد يتزوج الرجل المرأة ويتزوجها غيره ، فقال معاوية : اكتموا هذا الأمر لا تشهروه ، فلعمري إن نال أحد حاجته بالرفق والتأني الحيلة لأنالنه [ ص: 559 ] منها . ثم دعا معاوية خادما له من أبر خدمه عنده وخصهم لديه ، فقال له : انطلق إلى عبد الله بن عامر فزره ، وإذا حضر الباب فألطفه وأكرمه وأوقع في قلبه كثرة ذكري له وأني ربما ذكرته عند نسائي وحرمي وحيث لا يذكر فيه أحد من الرجال ، وأن ذلك ليس إلا لقدره عندي ومنزلته مني ، فإذا أوقعت ذلك في قلبه فأعلمني ، ففعل الخادم ما أمره به حتى ظن عبد الله أنه ليس أحد بمنزلته عنده ، فقال معاوية للخادم : انطلق الآن شبه الناصح والمتحظي عنده فمره أن يخطب إلى أمير المؤمنين إذا أحب . فتهيأ عبد الله بن عامر لذلك وهيأ له كلامه ، فأدخله الخادم على معاوية فبره وألطفه وأقبل عليه بوجهه يحدثه ، ودعا بالطعام وألوان الأشربة وأقبل يستطعمه الكلام ، فحصر عبد الله وانقطع وانقبض وهابه ، فقال معاوية حين رأى حصره وهيبته : إنه لن يمنعك من أمير المؤمنين الخلوة ، قل ما أحببت وانبسط في كلامك وسل ما أحببت فدعا له وأثنى عليه وانصرف يومه ذلك ولم يكلمه في شيء ، فدعا معاوية خادمه ذلك فأعلمه أن الرجل هاب وحصر؛ فاغد إليه ومره أن يسأل حاجته وشجعه وأعلمه أن أمير المؤمنين قاض حاجته . فمضى الخادم إلى عبد الله فأمره بالعود إلى معاوية ومسألته حاجته فإنه لن يمنع ما يريد؛ فغدا عبد الله على معاوية فأكرمه وألطفه ودعا له بالطعام والشراب ، فلما أكلا وشربا قال عبد الله : جئتك يا أمير المؤمنين في حاجة على حسن ظني بأمير المؤمنين ومنزلتي منه ، فإن وافق منه ما أحب فذاك الذي أبغي ، وإن خالفه فأعوذ بالله من سخط أمير المؤمنين ومن موجدته ، قال معاوية : تكلم يا ابن أخي بما بدا لك ، قال عبد الله : جئتك أخطب ابنتك رملة ، قال : فنظر إليه معاوية شبه المنكر عليه المستعظم له والمنقبض منه ثم قال : ننظر في ذلك ، فقام ابن عامر وقد سقط في يديه وظن أنه أغضبه ، فلما خرج دعا معاوية خادمه فقال : انطلق الآن فلا تظهر ثلاثة أيام ، فإن ابن عامر سيطلبك ، ثم القه بعد وأعلمه أنه أحمق رجل في قريش وأقلهم عقلا حيث يخطب إلى أمير المؤمنين ابنته وعنده امرأة غيرها إنما يريد الإضرار بها وأن يؤذيها ، وتشدد بذلك ، ومره أن يعود ويكتب كتابا يذكر فيه أنه لم يطلب هذا الأمر وهو يريد أن يضر بابنة أمير المؤمنين ويكون عنده غيرها ، وأنه يخلي عن كل امرأة تعظيما لحقها ، ففعل الخادم ذلك ثم لقي ابن عامر فبلغ منه ما أراد ، فقال له ابن عامر : كيف الحيلة لإصلاح هذا الأمر؟ قال : تدخل إن شئت أو تكتب كتابا تذكر فيه أنك مطلق لنسائك إكراما لابنة أمير المؤمنين وتعظيما لحقها ، ففعل ذلك ابن عامر ، فلما قرأ معاوية كتابه دعا بعشرة من قريش ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إنكم عرفتم حال ابن عامر في شرفه وحسبه ومكانه من أمير المؤمنين وقرابته ، وقد خطب إلى أمير المؤمنين ابنته ، وقد زوجه على ما ضمن من تطليق ما عنده ، فقال عبد الله عند ذلك : فإن فاطمة بنت عبد الرحمن ، كما قال أبو العيناء ، وقال غيره : فإن هند بنت سهيل بن عمرو طلق [ ص: 560 ] ألبتة ، فدعا له معاوية والقوم جميعا . ثم خرج عبد الله إلى دار سوى الدار التي كانت فيها ، ثم أرسل إليها أن اعتدي ، فلما أتاها الرسول قالت له : ويحك ما لك؟ قال : طلقك عبد الله ، قالت : ما أظنه فعل هذا وعقله معه ، ثم سألت عن الأمر فأخبرت ، فدعت قهرمانها فأمرته أن يجهزها ، ثم ارتحلت نحو المدينة وقالت : فرق معاوية بيني وبين صاحبي ليتزوجني ، والله لا يصل إلى ذلك حتى يصل إلى أمه ، وقيل لمعاوية إنها قد شخصت ، قال : دعها فلتذهب حيث شاءت فلعمري لا تخرج من سلطاني إلا أن تخرج إلى أرض الشرك .

فلما انقضت عدتها كتب معاوية إلى مروان بن الحكم ، وهو عامله على المدينة ، يأمره أن يخطبها عليه ، فأرسل إليها بذلك ، فأرسلت إليه : إن عدتي لم تنقض ، فقال : نحن أعلم بعدتك ، فقالت : فإني لا أخبرك دون يوم الجمعة ، ثم أرسلت إلى الحسن بن علي عليه السلام : إني أريد أن تأتيني لأمر أستفتيك فيه ، فأرسل إليها : إن مثلي لا يأتي النساء للفتيا ، فأرسلت إليه : إن لم تأتني أتيتك في مجلس حاسرة فإن كنت ترضى أن تخرج إليك امرأة من قريش حاسرة حتى تفتيها فأنت ورأيك ، فأعظم ذلك وخرج حتى أتاها ، فأذنت له فدخل وأمسك جواريها بينه وبينها ثوبا ، فحمدت الله وصلت على النبي صلى الله عليه وسلم وقالت : أعندك يا ابن رسول الله خير؟ قال الحسن: والله لقد ألجأتني إلى أمر لم يكن من كلامي ، من أحق أن يكون عنده الخير مني وأدنى طرفي رسول الله وعلي بن أبي طالب صلى الله عليهما ، قالت : إنه كان من معاوية في فرقته بيني وبين صاحبي ما أحسب أنه قد بلغك ، ووالله ما لي فيه من حاجة ، ولقد اخترتك لنفسي ، فإن وجدت أحدا أحق بي منك فقد رضيت بحكمك ، أو ما شئت ، قال الحسن رضي الله عنه : قد علمت ما كان بيني وبين معاوية حتى أصلح الله ذلك ، وهذا أمر ما أحدث به نفسي ، وما لي يومي هذا فيه من حاجة ، قالت : أذكرك الله أن ترد علي نفسي بعد إذ بذلتها لك واخترتك ، قال : ما لي إلى ذلك سبيل ، فلما رأت تأبيه عليها قالت لجواريها نحين الثوب عني ، فنحين الثوب فإذا بمثل القمر لأربع عشرة ، وكانت من أحسن النساء وأتمهن وكان الحسن صاحب نساء ، فلما رأى جمالها ، ولم يكن رأى مثلها ، أخذت بقلبه ، فقال : قد رضيت وقبلت ، فأرسلت إلى رجال من قريش فأشهدتهم أنها قد جعلت أمرها إلى الحسن بن علي ، فحمد الله وأثنى عليه وأشهدهم أنه قد تزوجها على كذا وكذا ، وبلغ الخبر مروان فأرسل إلى الحسن فحبسه ، وأرسل إليها فحبسها وأقام عليها الرقباء ، وكتب إلى معاوية يعلمه أن الحسن وثب فتزوجها بغير علم قاض ولا سلطان ولا ولي ، جرأة عليك وخلافا لك ، وإني قد أمرت بحبسهما إلى إن يأتيني منك رأي ، فكتب إليه معاوية : قد فهمت ما كتبت به في أمر الحسن وأمرها ، وقد أجبتك في ذلك بكتاب بعثت به إليك مختوما ، فاجمع إليك ثلاثين رجلا من قريش ، ثم فض الخاتم بحضرة الحسن وحضرة القوم ، ثم اقرأ كتابي واعمل بما [ ص: 561 ] فيه ، ففعل ذلك مروان ، فإذا فيه أما بعد فإنك كتبت إلي تذكر من تزويج الحسن بغير حكم حاكم ولا علم سلطان ، وسألتني أن أكتب إليك برأيي فيهما ومكانهما ، ولعمري ما بلغ من أمر معاوية أن يحرم شيئا قد أحله الله أو يحل شيئا قد حرمه الله ، والحسن إنما ترك أن يعلم السلطان لمخافته مني ، لما سبق من خطبتي المرأة قبله ، واختارته وآثرته علي ، فإذا قرأت كتابي هذا فخل عن الحسن ، وادفع إليه زوجته ، ولا تعرض لهما في شيء يؤذيهما ، وادفع إلى الحسن من مالي قبلك عشرة آلاف دينار معونة له على تزويجه ، وادفع إلى زوجته خمسة آلاف دينار ، وأحسن جوارهما ، فلما قرأ مروان الكتاب قبل ما أمر به وأعانهما أيضا من ماله ، ومنع معاوية عن ابن عامر ابنته وقال : إنما زوجتك على أن أتزوج امرأتك وبنتي صغيرة حتى تبلغ ، فاستأذن ابن عامر للحج وأتى المدينة فرأى الحسن على بابه فأقبل إليه فسلم ، فرحب به الحسن وأنزله ، ثم قال ابن عامر : أبا محمد أتأذن في الدخول على فاطمة بلفظ أبي العيناء والسلام عليها؟ قال : وكرامة ، ثم أرسل إليها هذا ابن عمك عبد الله يريد الدخول عليك فأذني له ، فأذنت له وجلست وأخذت زينتها ، ثم قام الحسن فدخل عليه فإذا هي تبكي ، فقال الحسن : يا هذا قد علمت مثل هذا ، وقد صير الله الأمر إلى ما تريد ، وأنا طيب النفس بالنزول عنها والتخلية بينك وبينها غير زاهد فيها ولا قال لها ، ولكن كراهة مساءتك ، قال ابن عامر : لا والله ما لي بذاك من حاجة ، وقالت هي : والله لا أرجع إليه وقد طلقني بغير ذنب ولا حدث إلا طمعا في ابنة معاوية ، قال الحسن : فما بكاؤكما؟ قالت : ذكرت ابنتي حيث نظرت إلى وجهه ، وكان لعبد الله بن عامر منها ابنة ، وكانت عند أخوات عبد الله بالمدينة . ثم كشف عبد الله عن شيء تحت ثوبه فإذا سفطان في أحدهما جوهر وفي الآخر در ، فقال : يا أبا محمد إن هذا شيء كان لي عندها سألتها عنه وما أطمع أن ترده علي ، وما أظن أحدا تسخو نفسه عن مثله ، فردته علي ، فأقسمت عليك لما أخذت منه حاجتك ، قال الحسن : ما لي فيه من حاجة وأنت أحق بمالك ، ولكن حاجتي إليك غير هذا ، أحب أن تسعفني بها ، قال : ما هي؟ قال : ابنتك هي ابنتي وأحب أن تضمها إلى أمها ، قال : هي لك ، فأرسلها إليها من ساعتها فحملت وكل ما كان لها من خدم ومال فدفعها إلى الحسن . قال الحسن : ما لي فيه من حاجة وأنت أحق بما لك ، ولكن حاجتي إليك غير هذا ، أحب أن تسعفني بها ، قال : ما هي؟ قال : ابنتك هي ابنتي وأحب أن تضمها إلى أمها ، قال : هي لك ، فأرسلها إليها من ساعتها فحملت وكل ما كان لها من خدم ومال فدفعها إلى الحسن .

قال أبو بكر محمد بن زكرياء : فأخبرنا أبو عثمان عبيد الله بن عثمان بن عمر القرشي التيمي قال أخبرني أبي وكان أبوه قاضي المنصور قال : لما طلق عبد الله بن عامر بن كريز هند بنت سهيل بن عمرو وله منها ابنة وتزوجها الحسن بن علي عليه السلام فلم يدر ما الحيلة لها لما كان في نفسه منها ، فبعث إلى ابنته ليقبضها فصرفه الحسن بالرجال فكلمه وكان من قوله : ما حجر رجل عندي أشرف ولا أفضل من حجر الحسن بن علي عليه السلام ، ولكنها امرأة قد بلغت وأحب كينونتها عندي والأنس بها ، فلما رأت ذلك هند قالت للحسن :

[ ص: 562 ] إني والله لا أعرف أنه لا يدعها لأحد إلا لي فتأذن لي أن آتيه؟ قال : نعم لأنك المأمونة وهو المأمون ، وكان قد قبض ابنته إليه ، فأرسلت إليه : إني آتيك ليلة كذا وكذا ، فأقام لها ابن عامر في داره الخارجة وصفاء بالشمع وفي قبته التي كان يسكنها من دراته وصائف ، وجلس على سرير إلى باب خلفه وقد بسط له ، وجاءت فجلست أسفل من سريره ، وجاءت ابنتها فاعتنقتها وتباكيا ، فقالت هند لابن عامر : إني جئتك في بنتي ولا حجر لها خير من حجري ولا أدب أنفع لها من أدبي ، والله إن أحب ما فيها إلي أنها منك ، فإن رأيت أن تهبها لي وتشفعني فيها فعلت ، قال : هي لك ، ثم دعا بسبنية خز فملئت خزا ، ودعا من أصناف الثياب بثوب فملأه من كل صنف ، ودعا بأربعة آلاف دينار وحلل ما يدرى ما قيمتها ثم ولى إلى الباب الذي خلف سريره فقام بين البابين ثم قال : لك ما بين سريري هذا إلى ما دخلت فيه من ملكي ، فانصرفت بذلك المتاع المال والرقيق .

قال محمد بن زكريا ، قال أبو عثمان وأخبرني أبي قال : كان ابن عامر قد استودع هندا بنت سهيل بن عمر وأسفاطا فيها حلي كثير ودر وجوهر لم يأمن عليها أحدا غيرها ، وطلقها وهو عند معاوية ، وهي بالمدينة ، قد انتقلت من منزله وتزوجها الحسن بن علي رضوان الله عليه فأرسل إليها ابن عامر يطلب ما استودعها ، فأنكرت الرسول أن يكون استودعها شيئا أو له عندها شيء! فلما كثرت الرسل فيما بينها وبينه لقي ابن عامر الحسن بن علي عليهما السلام ، فقال له : كنت استودعت هندا وديعة وقد أرسلت إليها فيها ، وقد سبق إلى قلبي أن جحدها لمن أرسلته محبة أن لا يفشو ذلك ، وأنها لا تحب دفعه إلا إلي ، فإن رأيت أن تأذن لي عليها فعلت ، فقال : نعم ، فجاء الحسن فأعلمها أن ابن عامر بالباب ، فشدت عليها ثيابها ، فلما دخل ابن عامر غلبته العبرة وبكت الأخرى قبل أن يتكلم أحدهما ، فقال الحسن بن علي رضوان الله عليه لما رأى ذلك ، إن شئتما كنت خير محل . فقال ابن عامر : إذا والله لا نجتمع أبدا ، فسألها عما وضع عندها فقالت : نعم والله ما كنت لأقر به لأحد أبدا ولا أدفعه إلى سواك أبدا ، يا جارية ضعي لي هناك فراشا ، فوضع لها فراش واستقر مجلسها ، ثم قالت : ارفعي الفراش الذي كان تحتي فرفع ثم قالت : احفري ، فحفرت تحت فراشها فأخرجت تلك الأسفاط بخاتم ابن عامر لم تحرك ، فقالت : والله ما رأيتها وما زلت أنقله معي حيث ما كنت مع فراشي ، إلى أن رده الله إليك ، قال ابن عامر : خذي منه ما أحببت ، وفتح بعضها ليعطيها فحلفت لا تأخذ منه شيئا ، فقام عبد الله بن عامر وقد قبض متاعه .

التالي السابق


الخدمات العلمية