صفحة جزء
هشام يستدعي حمادا الراوية ليسمع منه شعرا

حدثنا محمد بن القاسم الأنباري قال حدثنا أبو الحسن بن البراء قال حدثني حميد بن محمد الكوفي قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله القرشي قال حدثني محمد بن أنس صاحب شعر الكميت قال : حماد الراوية : كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك وكان هشام يقليني على ذلك ، فلما ولي هشام مكثت سنة لا أخرج ، فلما لم أذكر خرجت فصليت الجمعة وجلست على باب الفيل ، وهو باب مسجد الكوفة ، فإذا شرطيان قد وقفا علي فقالا لي : يا حماد أجب الأمير يوسف بن عمر ، فقلت : من هذا كنت أحذر ، ثم قلت لهما : هل لكما أن تدعاني آتي أهلي فأودعهم وداع من لا يرجع إليهم أبدا ثم أصير إليه معكما؟ قالا : ما إلى ذلك سبيل ، فاستسلمت في أيديهما ودخلت على يوسف بن عمر في الإيوان الأحمر ، فسلمت فرد علي السلام فطابت نفسي برده علي السلام ، ثم رمى إلي بكتاب فيه : بسم الله الرحمن الرحيم من هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر ، إذا أتاك كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به غير مروع ولا متعتع ، وادفع إليه خمسمائة دينار وجملا مهريا يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق ، فأخذت الخمسمائة الدينار ونظرت فإذا جمل مرحول فوضعت رجلي في الغرز وسرت إحدى عشرة ليلة ، فلما كان اليوم الثاني عشر وافيت باب هشام فاستأذنت فأذن لي ، فدخلت عليه في دار قوراء مفروشة بالرخام ، بين كل رخامتين قصبة من ذهب ، وحيطانها على ذلك العمل ، وإذا هشام جالس على طنفسة من خز أحمر وعليه ثياب خز حمر مضمخة بالعنبر؛ فسلمت فاستدناني حتى قبلت رجله وأجلسني ، فإذا أنا بجاريتين لم أر مثلهما قبلهما ، في أذن كل واحدة منهما حلقة من ذهب فيها جوهرة تتوقد ، فقال لي : يا حماد كيف أنت وكيف حالك؟ قلت : بخير يا أمير المؤمنين قال : أتدري لم بعثت إليك؟ قلت : لا ، قال بعثت إليك لبيت خطر ببالي لم أدر من قائله ، قلت وما هو؟ قال :


فدعت بالصبوح يوما فجاءت قينة في يمينها إبريق

قلت هذا يقوله عدي بن زيد العبادي في قصيدة له ، فقال أنشدنيها ، فأنشدته :


بكر العاذلون في وضح الصب     ح يقولون ما له لا يفيق

[ ص: 599 ]

ويلومون فيك يا ابنة عبد الل؟     هـ والقلب عندكم موثوق
لست أدري إذ أكثروا العذل عندي     أعدو يلومني أم صديق
زانها حسنها بفرع عميم     وأثيث صلت الجبين أنيق
وثنايا مفلجات عذاب     لا قصارا ترى ولا هن روق
فدعت بالصبوح يوما فجاءت     قينة في يمينها إبريق
ثم كان المزاج ماء سماء     ليس ما آجن ولا مطروق

فقال : أحسنت يا حماد ، يا جارية اسقيه فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي ، ثم قال : أعد ، فأعدت فاستخفه الطرب حتى نزل عن فرشه ، ثم قال للأخرى : يا جارية اسقيه ، فسقتني شربة ذهب ثلثا عقلي ، فقلت : إن سقتني الثالثة افتضحت ، ثم قال : سل حوائجك كائنة ما كانت ، قلت : إحدى الجاريتين قال : هما لك بما عليهما من حلي وحلل ، ثم قال للأولى : اسقيه ، فسقتني شربة سقطت فلم أعقل حتى أصبحت ، فإذا أنا بالجاريتين عند رأسي ، وإذا خادم تقدم عشرة خدم مع كل واحد بدرة فقال : أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك : خذ هذه فانتفع بها في شأنك ، فأخذتها والجاريتين وانصرفت
.

تعليقات

وتفسيرات قال القاضي : قد رويت قصة هذا الشعر عن حماد أنها كانت مع الوليد بن يزيد وفيها ما ليس في هذا الخبر ، وفي هذا الخبر ما ليس فيها ، وجائز أن تكون القصتان جرتا في وقتين فيكونا غير متنافيتين وقد أثبتنا القصة الأخرى في بعض مجالس كتابنا هذا والله أعلم بصواب ذلك .

وقول عدي بن زيد في هذا الشعر يصف ثنايا هذه المرأة : ولا هن روق الروق الطوال ، يقال ناب أروق وثنية روقاء والجمع روق مثل أحمر وحمراء وحمر ، قال الأعشى :


وإذا ما الأكس شبه بالأر     وق يوم الهيجا وقل البصاق

يقال ناب أكس وثنية كساء ، إذا كانا قصيرين ، وإنما وصف الحرب بالشدة وإن ريق المحارب قد شبهت أسنانه على كسسها بالروق لتجردها وقلة البصاق فيها .

التالي السابق


الخدمات العلمية