صفحة جزء
كيف سار المثل الخير يبقى والشر أخبث زاد

حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثنا أبو الفضل الربعي قال حدثني أبي ، وحدثنا محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أبي قال حدثنا أحمد بن عبيد قال حدثنا محمد بن السائب عن أبيه عن الشرقي بن القطامي وألفاظ الروايتين مختلفة ومعانيهما متقاربة قال ، قال الرشيد للمفضل الضبي : أخبرني يا مفضل عن قول العرب :


الخير يبقى وإن طال الزمان به والشر أخبث ما أوعيت من زاد

فقال : يا أمير المؤمنين هذا مثل لهم سائر قبل الإسلام ، وكان من حديث هذا المثل أن عبيد بن الأبرص الأسدي كان حكيما من حكماء العرب وشاعرا مجيدا ، قتله المنذر بن ماء السماء من أجل الغريين وكان من حديث هذا المثل قبل أن يقتله المنذر بثلاثة أحوال أن ناسا نزلوا عليه فقراهم وأحسن ضيافتهم وكان يقري الضيف ويحسن إلى المنقطع به ، فلما أراد القوم الرحيل خرج معهم يشيعهم ، فشيعهم حتى أبعدوا ونزلوا في موضع وقال غيره : فلما نزل القوم وعرسوا خرج عبيد وصاحب له يمشيان في الموضع الذي نزل القوم فيه ، وسارا حتى أتيا حبا هناك فرأيا شجاعا عظيما أقرع يلهث قد أدلع لسانه من العطش ، فأخذ صاحب عبيد حجرا وهم أن يشدخه به ، فقال له عبيد : ما أنت صانع؟ قال : أقتل هذا الشجاع فإنه عدو ، قال عبيد : لا تفعل فإن الأسير قد يجار وإن كان عدوا ، ثم استقى من الحب ماء فسقى الشجاع ، فجعل يشرب حتى روي ، ثم تسبسب في الرمل فغاب ، قال : ورجع عبيد إلى القوم فودعهم ثم رحلوا ، ورجع عبيد إلى منزله فأقام حولين ، فأتاه بعض الرعاة فخبره أن إبله قد شردت فركب راحلة له وخرج في طلب الإبل ، وكان شجاعا بطلا ، فسار عشر مراحل لا يرى له أثرا ولا يعرف لها خبرا ، حتى إذا كان في بعض الليالي وقد كلت راحلته وتعب وأظلم الليل وهبت الرياح فلم ير سهلا ولا جبلا نفقت الراحلة ، فقال : يا لك من ليل ديجور ومن نفوق راحلة بالليل ، وكان الموضع الذي هو فيه يقال له الصادي وهناك ماء ، فقال : والله ما أرى إلا [ ص: 603 ] الإقامة على هذا الماء والموت ، ثم حط رحله عن راحلته وأسند ظهره إليه وطأطأ رأسه إلى الأرض وجمع أثوابه عليه ، فإذا هاتف يهتف به من خلفه ، يسمع صوته ولا يرى شخصه وهو يقول :


يا أيها الشخص المضل مذهبه     وليس معه من أنيس يصحيه
دونك هذا البكر خذه فاركبه     حتى إذا الليل توارى مغربه
بساطع الصبح ولاح كوكبه     فحط عنه رحله وسبسبه

قال القاضي : ويروى توارى غيهبه ، والغيهب الظلمة . فالتفت وراءه فإذا بكر معقول عليه رحل ، فوثب حتى حل عقاله وصار في متنه ، فوثب البكر من غير أن يثيره حتى استقام على الطريق يسير به كالبرق الخاطف وكالريح العاصف لا يلوي على شيء ولا يفتر من السير ، حتى إذا كان في وجه الصبح ونظر عبيد إلى بياض الحيرة برك البكر فلم يقم ، فاستحثه فلم يقم ، فقال : إنه لمأمور ، وثنى رجله فنزل عنه وولى ناحية فثار البكر يجر بزمامه ، فقال عبيد : بكر يسري في ليلة واحدة عشر مراحل لا أسأله ما أنت ولا من الذي أرسلك إلي؟! ثم أدار وجهه إليه وهو يقول :


يا أيها البكر قد أنجيت من كرب     ومن فياف تضل المدلج الهادي
ألا أنبت لنا بالقول نعرفه     من الذي جاد بالنعماء في الوادي
اذهب سليما فقد بلغت مأمننا     بوركت من ذي سنام حامل حادي

قال : فأجابه البكر وهو يقول :


أنا الشجاع الذي ألفيته رمضا     ينازع الماء من ذي المورد الصادي
فجدت بالماء لما ضن حامله     رويت هامي ولم تولع بإنكادي
الخير يبقى وإن طال الزمان به     والشر أخبث ما أوعيت من زاد

قال القاضي ويروى : ما أوعبت في الزاد


هذا جزاؤك من لا أمن به     فسر سليما وقاك الله من هاد

فقال له الرشيد : أحسنت يا مفضل ، يا ربيع أعطه عشرين ألفا ، عشرة آلاف لمعرفته بالمثل وأصله ، وعشرة آلاف لحسن روايته له
.

قال القاضي : في هذا الخبر نفقت الراحلة وإنما يقال نفق الفرس وتنبل البعير .

التالي السابق


الخدمات العلمية