الخير يبقى وإن طال الزمان به والشر أخبث ما أوعيت من زاد
فقال : يا أمير المؤمنين هذا مثل لهم سائر قبل الإسلام ، وكان من حديث هذا المثل أن عبيد بن الأبرص الأسدي كان حكيما من حكماء العرب وشاعرا مجيدا ، قتله المنذر بن ماء السماء من أجل الغريين وكان من حديث هذا المثل قبل أن يقتله المنذر بثلاثة أحوال أن ناسا نزلوا عليه فقراهم وأحسن ضيافتهم وكان يقري الضيف ويحسن إلى المنقطع به ، فلما أراد القوم الرحيل خرج معهم يشيعهم ، فشيعهم حتى أبعدوا ونزلوا في موضع وقال غيره : فلما نزل القوم وعرسوا خرج عبيد وصاحب له يمشيان في الموضع الذي نزل القوم فيه ، وسارا حتى أتيا حبا هناك فرأيا شجاعا عظيما أقرع يلهث قد أدلع لسانه من العطش ، فأخذ صاحب عبيد حجرا وهم أن يشدخه به ، فقال له عبيد : ما أنت صانع؟ قال : أقتل هذا الشجاع فإنه عدو ، قال عبيد : لا تفعل فإن الأسير قد يجار وإن كان عدوا ، ثم استقى من الحب ماء فسقى الشجاع ، فجعل يشرب حتى روي ، ثم تسبسب في الرمل فغاب ، قال : ورجع عبيد إلى القوم فودعهم ثم رحلوا ، ورجع عبيد إلى منزله فأقام حولين ، فأتاه بعض الرعاة فخبره أن إبله قد شردت فركب راحلة له وخرج في طلب الإبل ، وكان شجاعا بطلا ، فسار عشر مراحل لا يرى له أثرا ولا يعرف لها خبرا ، حتى إذا كان في بعض الليالي وقد كلت راحلته وتعب وأظلم الليل وهبت الرياح فلم ير سهلا ولا جبلا نفقت الراحلة ، فقال : يا لك من ليل ديجور ومن نفوق راحلة بالليل ، وكان الموضع الذي هو فيه يقال له الصادي وهناك ماء ، فقال : والله ما أرى إلا [ ص: 603 ] الإقامة على هذا الماء والموت ، ثم حط رحله عن راحلته وأسند ظهره إليه وطأطأ رأسه إلى الأرض وجمع أثوابه عليه ، فإذا هاتف يهتف به من خلفه ، يسمع صوته ولا يرى شخصه وهو يقول :يا أيها الشخص المضل مذهبه وليس معه من أنيس يصحيه
دونك هذا البكر خذه فاركبه حتى إذا الليل توارى مغربه
بساطع الصبح ولاح كوكبه فحط عنه رحله وسبسبه
يا أيها البكر قد أنجيت من كرب ومن فياف تضل المدلج الهادي
ألا أنبت لنا بالقول نعرفه من الذي جاد بالنعماء في الوادي
اذهب سليما فقد بلغت مأمننا بوركت من ذي سنام حامل حادي
أنا الشجاع الذي ألفيته رمضا ينازع الماء من ذي المورد الصادي
فجدت بالماء لما ضن حامله رويت هامي ولم تولع بإنكادي
الخير يبقى وإن طال الزمان به والشر أخبث ما أوعيت من زاد
هذا جزاؤك من لا أمن به فسر سليما وقاك الله من هاد