صفحة جزء
التسمية بالمصدر مثل نوح وكرم

قال القاضي: قول عبد الله أخي نابي " مع الإصباح نوح مسلب " أراد النساء، وقال: " نوح " وفيه وجهان: أحدهما أنه وصفهما بالنياحة فقال: نوح، وسماهن بالمصدر مثل زور وفطر وصوم، وهذا باب مشهور واسع، ومنه قول الشاعر:


لقد زاد الحياة إلي حبا بناتي إنهن من الضعاف     مخافة أن يذقن البؤس بعدي
وأن يشربن رنقا بعد صاف     وأن يعرين إذ كسي الجواري
فتنبو العين عن كرم عجاف

فسماهن بالمصدر، ومن قال هذا قال " كرم " في الواحد والواحدة والاثنين والاثنتين، فلم يثن ولم يجمع ولم يؤنث، ومن أتى فيه بالاسم ذكر وأنث وثنى وجمع، ومثله خصم وخصمان وخصوم وخصماء وخصمات عند قصد الاسم، وخصم في التذكير والتأنيث والتثنية والجمع على مذهب المصدر، قال الله تعالى " وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب وقال: هذان خصمان اختصموا في ربهم قيل: نزلت في المؤمنين والمشركين، وقيل نزلت في المتبارزين يوم بدر، ويقال فلانة خصم فلان، وبنو فلان خصم فلان وخصومه، على ما ذكرنا من مذهبي العرب فيه: وقال " خصمان " أراد فريقين وحزبين، وقال " اختصموا " لأن تحت كل فريق جماعة، قال الله [ ص: 633 ] تبارك وتعالى: سنفرغ لكم أيه الثقلان ومن هذا قول القطامي:


ألم يحزنك أن حبال قيس     وتغلب قد تباينتا انقطاعا

والوجه الثاني في قوله " نوح " أراد النساء المتقابلات، يقال: الشجر والمنازل تتناوح أي: تتقابل.

وقال الشاعر:


فلو أنها طافت بطنب معجم     نفى الرق عنه جدبه فهو كالح
لجاءت كأن القسور الجون بجها     عساليجه والثامر المتناوح

يريد المتحاذي المتقابل. قوله: " بطنب معجم " يريد أن ما فيه مما يحمل الثمرة من نفيهن وما جرى مجراه، معجم أي قد أسرع فيه بالعض والأكل. يقال: عجمت العود أعجمه عجما إذا عضضته، ويقال عجمت العود لأعرف صلابته؛ ومن كلام الخاصة: عجمته وخبرته، يشيرون إلى هذا المعنى، فقلبته العامة وصحفته فقالوا: عجنته وخبزته، وقصدوا هذا المعنى وأتوا بلفظ مشاكل، وإن كانوا أحالوا الكلام عن أصله. وحكي لي عن أبي العباس محمد بن يزيد النحوي أنه قال: ما رأيت قارئا صحف في تلاوة القرآن تصحيفا متشاكلا كإنسان قرأ: بل عجنت ويخبزون، لتشاكل العجن والخبز، وأحسبه عزا هذه الحكاية عن ابن الراوندي . وقول هذا الشاعر: نض الرق عنه جدبه الرق الورق ها هنا والجدب ضد الخصب وقوله: " فهو كالح " أي كريه المنظر لجدوبته. يقال: فلان كالح الوجه إذا كان عابسا باسرا.

وقوله: " لجاءت كأن القسور الجون " القسور: الشجر، وقيل: إنه شجر بعينه، وقيل في قول الله جل جلاله: فرت من قسورة أي من الأسد، وقالوا: هذا من أسمائه، وقال قائلون: هذا من لغة الحبشة. قالوا: وهو بالعربية، أسد وبالنبطية أريا، وبالفارسية شير ، وبالحبشية قسورة، وقيل: عنى به الشجر؛ لأن الحمر فرت منه لما عاينت جماعته، " وقيل: بل عنى بذلك الرماة " وقيل: إنه عنى به ظلمة الليل. وقوله " الجون " وصفه بالسواد الذي يدل على الري من شدة الخضرة. وقد قيل في قوله جل ثناؤه مدهامتان خضراوان من الري. وقيل إن أرض السواد سميت بهذا لكثرة الخضرة بها. وقيل إن الجون من حروف الأضداد، وأنه يقال للأبيض جون وللأسود جون، ومما أتى منه في معنى الأبيض قول الشاعر:


يبادر الجونة أن تغيبا



يعني الشمس. وقد يقال لكل واحد من بياض النهار وسواد الليل جون، قال الشاعر:


غير يا بنت الحليس لوني     مر الليالي واختلاف الجون
وسفر كان قليل الأون



[ ص: 634 ] وأشرك في هذه الصفة بين الليل والنهار. وقوله: " بجها عساليجه " أراد فتقها بالسمن، " وعساليجه " أغصانه، واحدها عسلوج وعسليج.

التالي السابق


الخدمات العلمية