صفحة جزء
بين المؤلف وجمال

قال القاضي: رأيت شيخا جمالا بالنهروان سنة ست عشرة وثلاثمائة بيده خطام بعير يقوده وهو يترنم بأبيات، فاستحسنت إنشادها وهششت له، فقربت منه فقلت له: ما اسمك؟ قال: خصيب، قلت: ابن من أنت؟ فانتسب إلى أب نسيت اسمه، فقلت له: هل كتبت شيئا من العلم والأدب، أم عندك شيء من الحديث؟ فقال: قد سمعت كثيرا، فقلت: أتحفظ منه شيئا تمله علي، وكان معظم حرصي على ذلك من أجل اسمه، فقال لي: كتبت مما ذكرت شيئا كثيرا ولم يبق عندي منه شيء، وما أحفظ مما سمعته شيئا إلا هذه الأبيات التي تسمعني أترنم بها، فإن شيخا بخراسان أملاها علي وزعم أنها لأبي العتاهية.

فسألته إملاءها علي، فأنشدني، ثم وجدتها فيما يعزى إلى أبي العتاهية من الشعر وهي:


يا رب سلم أضر من حرب ورب عذر أشد من عتب     ورب بعد به عن الذنب يك
في المرء من لومه عن الذنب     وربما كان في التبسم والإقبا
ل ما لا يكون في الضرب [ ص: 644 ]     ورب عز في حال مخمصة
ورب ذل في الأكل والشرب     وربما كانت الملالة إف
راطا شديدا من وامق صب     ورب ذي بغية يعاجله
من قبلها صرعة على الجنب     وربما دارت المنية في القو
م كدور العقار في الشرب     يا صورا نقلت إلى الترب بالموت
كما صورت من الترب     تجري إلينا بالرفع والخفض
والجزم على ذا الإنسان والنصب     منتظرا نحبه إلى أجل
لا بد منه لذلك النحب     يشفي امرؤ غيظه بسب امرئ
والحلم أشفى له من السب وقد تلين العيدان حتى     يكون اللين منها أقوى من الصلب



قوله " اللين أراد اللين فخفف، كما قال: ميت وميت، وهين وهين، ولين ولين.

التالي السابق


الخدمات العلمية