صفحة جزء
الأحوص ومعبد وزين الغدير

فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز فأمر به فرد إلى دهلك، فلما قام يزيد بن عبد الملك رجع الأحوص إلى المدينة ثم إنه خرج وافدا إلى يزيد بن عبد الملك فمر بمعبد المغني فقال له معبد: الصحبة يا أبا عثمان، قال: ما أحب أن تصحبني، تقول وفود العرب: هذا ابن الذي حمت لحمه الدبر والغسيل معبد معه مغن فقال: لا بد والله من الصحبة، فلما أبى إلا أن يصحبه ذهب فلما نزل البلقاء، وهي من الشام، أصابهم مطر من الليل، فأصبحت الغدر مملوءة، فقال للأحوص: لو أقمنا اليوم هاهنا فتغدينا على هذا الغدير، ففعلا، ورفع لهما قصر لم يريا بناء غيره، فلما أصبحوا خرجت جارية معها جرة إلى غدير من تلك [ ص: 657 ] الغدر فملأت جرتها، فلما رفعتها ومضت بها رمت بالجرة فكسرتها، فقال معبد للأحوص: أرأيت ما رأيت وما صنعت هذه؟ قال: نعم، فأرسل إليها الأحوص بعض غلمانه فقال: ما حملك على ما صنعت فقد رأينا الذي صنعت؟ قالت: إني طربت، قال: وما أطربك؟ قال: ذكرت صوتا كنا نغني به أنا وصواحب لي بالمدينة فأطربني فكسرت الجرة، قال: وما الصوت؟ قالت:


يا بيت عاتكة الذي أتعزل حذر العدى وبه الفؤاد موكل



قال: ولمن هذا الشعر؟ قالت: للأحوص الأنصاري، قال: فالغناء؟ قالت: لمعبد، فقالا لها: أفتعرفيننا؟ قالت: لا، قال: فأنا الأحوص وهذا معبد، لمن كنت بالمدينة؟ قالت: لآل فلان، اشتراني أهل هذا القصر فصرت هاهنا ما أرى أحدا غيرهم، وقالت: فإن لي حاجة، قالا: ما حاجتك؟ قالت لمعبد تغنيني، قال الأحوص لمعبد: غنها، قال: فجعلت تقترح ويغنيها حتى قضت حاجتها ثم قالا لها: أتحبين أن نعمل لك في الخروج من هاهنا؟ قالت: نعم، فلما قدما على يزيد بن عبد الملك ودخلا عليه قال له الأحوص: يا أمير المؤمنين إني رأيت في مسيرنا عجبا، نزلنا إلى البلقاء فرأينا جارية، وقص عليه قصتها قال: أفتعرفها؟ قال: نعم، فسماها وأهلها موضعها وقال: يا أمير المؤمنين أنا الذي أقول فيها: "


إن زين الغدير من كسر الجر     وغنى غناء فحل مجيد


قلت من أنت يا ظعين فقالت     كنت فيما مضى لآل الوليد
ثم بدلت بعد حي قريش     من بني عامر لآل الوحيد
فغنائي لمعبد ونشيدي     لفتى الناس الأحوص الصنديد
يعجز المال عن شراك ولكن     سوف نسميك للهمام يزيد



قال: فمضى لذلك ما مضى، ثم دخل الأحوص ومعبد جميعا على يزيد فأخرج إليهما الجارية، ثم قال لها الأحوص: أوفينا لك؟ قالت: نعم جزاكما الله خيرا.

التالي السابق


الخدمات العلمية