صفحة جزء
مسألة: لا يجوز الوضوء بشيء من الأنبذة ، وقال أبو حنيفة: يجوز نبيذ التمر المطبوخ إذا عدم الماء في السفر ، وأصحابنا يستدلون بقوله تعالى: فلم تجدوا ماء فتيمموا .

29 - وبما أخبرنا به الكروخي ، قال أنبأنا أبو عامر الأزدي ، وأبو بكر الغورجي ، قالا أنبأنا الجراحي ، قال حدثنا المحبوبي ، قال حدثنا الترمذي ، حدثنا محمد بن بشار ، قال حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال حدثنا سفيان ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن عمرو بن بجدان ، عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصعيد الطيب طهور المسلم ، وإن لم يجد الماء عشر سنين قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، [ ص: 52 ] احتج المخالف بحديثين؛ أحدهما عن ابن مسعود والثاني عن ابن عباس فأما حديث ابن مسعود فله ستة طرق: الطريق الأول:

30 - أخبرنا هبة الله بن محمد بن الحصين ، قال أنبأنا الحسن بن علي التميمي ، أنبأنا أحمد بن جعفر ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، قال حدثني أبي ، قال حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا سفيان ، عن أبي فزارة العبسي ، حدثنا أبو زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود ، قال لما كان ليلة الجن قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: أمعك ماء؟ قلت: ليس معي ماء ، ولكن معي إداوة فيها نبيذ ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثمرة طيبة وماء طهور.

31 - قال أحمد وحدثنا يحيى بن زكريا ، عن إسرائيل ، عن أبي فزارة ، عن أبي زيد ، عن ابن مسعود ، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة لقي الجن فقال: أمعك ماء؟ قلت: لا ، فقال: ما هذا في الإداوة؟ فقلت: نبيذ ، قال: أرنيها ثمرة طيبة وماء طهور ، فتوضأ منها ثم صلى بنا .

الطريق الثاني:

32 - وبالإسناد قال أحمد وحدثنا يحيى بن إسحاق ، قال أنبأنا ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج ، عن حنش الصنعاني ، عن ابن عباس ، عن عبد الله بن مسعود أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الله أمعك ماء؟ قال معي نبيذ في إداوة قال: اصبب علي فتوضأ ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله بن مسعود شراب وطهور [ ص: 53 ] .

الطريق الثالث:

33 - أخبرنا ابن عبد الخالق ، قال أنبأنا أبو طاهر بن يوسف ، أنبأنا أبو بكر بن بشران ، حدثنا البغوي ، قال حدثنا محمد بن عباد المكي ، حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أبي رافع ، عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الجن: أمعك ماء؟ قال: لا ، قال: معك نبيذ؟ قال: نعم ، فتوضأ به .

الطريق الرابع:

34 - أخبرنا ابن عبد الخالق ، أنبأنا أبو طاهر ، أنبأنا أبو بكر بن بشران ، قال حدثنا الدارقطني ، حدثنا محمد بن الحسن ، حدثنا الفضل بن صالح الهاشمي ، حدثنا الحسين بن عبيد الله العجلي ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، قال سمعت ابن مسعود يقول: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فأتاهم فقرأ عليهم القرآن فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الليل: أمعك ماء يا ابن مسعود ؟ قلت: لا والله يا رسول الله إلا إداوة فيها نبيذ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثمرة طيبة وماء طهور ، فتوضأ به النبي صلى الله عليه وسلم .

الطريق الخامس:

35 - وبالإسناد حدثنا الحسن بن قتيبة ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة ، وأبي الأحوص عن ابن مسعود ، قال مر بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: خذ معك إداوة من ماء ، ثم انطلق وأنا معه ، فلما فرغت عليه من الإداوة إذا هو نبيذ ، فقلت: يا رسول الله أخطأت بالنبيذ فقال: ثمرة حلوة وماء عذب . [ ص: 54 ]

الطريق السادس:

36 - وبالإسناد حدثنا الدارقطني ، قال حدثني محمد بن أحمد بن الحسن ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي حسان ، حدثنا هشام بن خالد الأزرق ، قال حدثنا الوليد ، حدثنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد عن جده أبي سلام ، عن فلان بن غيلان الثقفي أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن بوضوء فجئته بإداوة فإذا فيها نبيذ ، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما حديث ابن عباس فله طريقان.

الطريق الأول:

37 - أخبرنا ابن عبد الخالق ، حدثنا عبد الرحمن بن أحمد ، حدثنا أبو بكر بن بشران ، حدثنا الدارقطني ، حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق ، حدثنا يحيى بن عبد الباقي ، حدثنا المسيب بن واضح ، حدثنا مبشر بن إسماعيل ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء. [ ص: 55 ]

الطريق الثاني:

38 - وبالإسناد حدثنا الدارقطني ، حدثنا عبد الباقي بن قانع ، حدثنا السري بن سهل الجنديسابوري ، حدثنا عبد الله بن رشيد ، حدثنا أبو عبيدة مجاعة ، عن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا لم يجد أحدكم ماء ووجد النبيذ فليتوضأ به . ليس في هذه الأحاديث شيء يصح ، أما حديث ابن مسعود ففي الطريق الأول أبو زيد ، وأبو فزارة وهما مجهولان قال أحمد بن حنبل : أبو فزارة في حديث ابن مسعود رجل مجهول. قال الترمذي : وأبو زيد مجهول عند أهل الحديث لا يعرف له رواية غير هذا الحديث. قال أبو زرعة : وهذا الحديث ليس بصحيح ، فإن قيل أبو فزارة اسمه راشد بن كيسان أخرج عنه مسلم ، وكذلك قال الدارقطني : أبو فزارة في حديث النبيذ اسمه راشد بن كيسان فجوابه من وجهين: أحدهما أنهما اثنان ، فالمجهول هو الذي في هذا الحديث ، ودليل هذا قول أحمد: أبو فزارة في حديث ابن مسعود مجهول ، فاعلم أنه غير المعروف ، والثاني أن معرفة اسمه لا تخرجه عن الجهالة ، وأما الطريق الثاني فتفرد به ابن لهيعة ، قال الدارقطني: لا يحتج بحديثه وفيه حنش ، قال ابن حبان: لا يحتج به ، وأما الطريق الثالث ففيه علي بن زيد ، قال أحمد ، ويحيى: ليس بشيء ، وقال يحيى بن سعيد : هو متروك الحديث. قال الدارقطني : وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود .

[ ص: 56 ] وأما الطريق الرابع ففيه الحسن العجلي ، قال الدارقطني : كان يضع الحديث ، وقد كذب في هذا على أبي معاوية وعلى الأعمش . وأما الطريق الخامس: فيه محمد بن عيسى ، والحسن بن قتيبة ، قال الدارقطني : محمد بن عيسى ضعيف ، والحسن بن قتيبة متروك الحديث.

وأما الطريق السادس: ففيه ابن غيلان ، قال الدارقطني : هو مجهول ، ويرد أصل الحديث أن في الصحيح عن ابن مسعود أنه سئل أكنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ؟ فقال : لا.

وأما حديث ابن عباس فتفرد بالطريق الأول المسيب بن واضح ، قال الدارقطني : هو ضعيف ، وقد وهم فيه في موضعين: في ذكره ابن عباس ، وفي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ، والمحفوظ أنه من قول عكرمة غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا إلى ابن عباس ، وقد رواه المسيب مرة موقوفا غير مرفوع.

وأما الطريق الثاني: ففيه أبان بن أبي عياش وهو متروك ، قال شعبة : لأن أزني أحب إلي من أن أحدث عن أبان .

وقال يحيى: ليس حديثه بشيء ، وقال الدارقطني : هو متروك ، قال: ومجاعة ضعيف ، والمحفوظ أنه رأى عكرمة غير مرفوع.

وقد احتج الخصم بآثار منها: أن عليا رضي الله عنه أجاز الوضوء بالنبيذ ، وهذا من رواية الحارث الأعور ، وقال علي بن المديني: الحارث كذاب ، ومن رواية مزيدة بن جابر ، قال أبو زرعة: ليس بشيء.

ومنها قول ابن عباس في ذلك وهو من رواية عبد الله بن محرر ، قال الدارقطني: هو متروك الحديث .

[ ص: 57 ] ومنها قول أبي العالية : ولا يثبت عنه . قال أبو خلدة : سألت أبا العالية عن رجل ليس عنده ماء وعنده نبيذ أيغتسل به من جنابته ؟ قال: لا ، فذكرت له ليلة الجن ، فقال: أنبذتكم هذه الخبيثة ، إنما كان زبيبا وماء. قال هبة الله الطبري : أحاديث الوضوء بالنبيذ وضعت على أصحاب ابن مسعود عند ظهور العصبية .

التالي السابق


الخدمات العلمية