صفحة جزء
مسألة إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان فعن أحمد ثلاث روايات ، إحداهن أنه يجب صوم الثلاثين بنية من رمضان ، وهذا مذهب عمر ، وعلي ، وابن عمر ، ومعاوية ، وعمرو بن العاص ، وأنس ، وأبي هريرة وعائشة وأسماء ، وقال به من كبار التابعين طاوس ، ومجاهد ، وسالم ، وبكر بن عبد الله ، ومطرف ، وميمون بن مهران في آخرين ، فعلى هذه الرواية هل يجوز أن يسمى يوم شك ؟ فيه روايتان ؛ إحداهما لا يسمى يوم شك ، بل هو يوم من رمضان من طريق الحكم ، وهو ظاهر ما نقله مهنا ، وبه قال الخلال والأكثرون من أصحابنا ، فعلى هذه لا يتوجه النهي عن صوم الشك إليه ، والثانية أنه يسمى يوم شك نقلها المروزي ، فعلى هذا يرجح جانب التعبد وإن كان شكا ، والأولى أصح ، فإن قيل : فما يوم الشك ؟ قلنا : قد فسره الإمام أحمد فقال : يوم الشك أن يتقاعد الناس عن طلب الهلال ، أو يشهد برؤيته من يرد الحاكم شهادته ، والرواية الثانية في المسألة لا يجوز صيامه من رمضان ، ولا نفلا بل يجوز قضاء وكفارة ونذرا ونفلا يوافق عادة ، وهذا قول الشافعي ، والرواية الثالثة أن المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر ، وبهذه قال الحسن ، وابن سيرين ، وقال أبو حنيفة ، ومالك : لا يجوز صيامه من رمضان ، ويجوز صيامه ما سوى ذلك ، ووجه الرواية الأولى ما :

1058 - أخبرنا به هبة الله بن محمد ، قال : أنبأنا الحسن بن علي التميمي ، أنبأنا أحمد بن جعفر ، قال : حدثنا عبد الله بن أحمد ، قال : حدثني أبي ، حدثنا إسماعيل ، حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه ، ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فاقدروا له . [ ص: 69 ] [ ص: 70 ] [ ص: 71 ] [ ص: 72 ] قال نافع : فكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر ، فإن رأى فذاك ، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا ، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما . أخرجاه في الصحيحين ، ولم يذكر فعل ابن عمر ، واحتجاج أصحابنا من هذا الحديث من وجهين ، أحدهما فعل ابن عمر ، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بمراده ، فنحن نرجع إليه كما رجعنا في خيار المجلس فإنه كان يفارق صاحبه ليتم البيع ، والثاني أن معنى اقدروا ضيقوا له عددا يطلع في مثله ، وذلك يكون لتسع وعشرين ، ومن هذا قوله تعالى : ومن قدر عليه رزقه ؛ أي ضيق عليه ، قالوا : فقد روي عن ابن عمر ضد هذا [ ص: 73 ] .

1059 - أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز ، أنبأنا إبراهيم بن عمر البرمكي ، حدثنا محمد بن العباس بن الفرات ، أنبأنا حمزة بن القاسم ، حدثنا حنبل بن إسحاق ، قال : حدثني أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي ، قال : سمعت ابن عمر يقول : لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه . قلنا جوابه من وجهين ؛ أحدهما أنه لا يصح ، وقد ضعف أبو حاتم الرازي عبد العزيز بن حكيم ، والثاني أن هذا ليس بيوم شك على ما سبق بيانه ، أما حجتهم فلهم سبعة أحاديث ، الحديث الأول :

1060 - أخبرنا عبد الأول ، قال : أنبأنا ابن المظفر الداودي ، قال : أنبأنا ابن أعين السرخسي ، قال : حدثنا الفربري ، قال : حدثنا البخاري ، قال : حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، حدثنا محمد بن زياد ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين . انفرد بإخراجه البخاري ، والجواب أن أبا بكر الإسماعيلي ذكر هذا في صحيحه الذي خرجه على البخاري ، أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار ، قال : أنبأنا أبي ، قال : حدثنا أبو بكر البرقاني ، حدثنا أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ، قال : حدثنا الحسن بن علوية ، قال : حدثنا بندار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن محمد بن زياد ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 74 ] لا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروا الهلال ، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين . قال الإسماعيلي : قد رواه البخاري ، عن آدم ، عن شعبة فقال فيه : فأكملوا عدة شعبان ثلاثين . قال : وقد رويناه عن غندر ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وابن علية ، وعيسى بن يونس ، وشبابة ، وعاصم بن علي ، والنضر بن شميل ، ويزيد بن هارون ، وابن داود ، وآدم كلهم عن شعبة لم يذكر أحد منهم : فأكملوا عدة شعبان ثلاثين . قال : وهذا يجوز أن يكون من آدم ، رواه على التفقه من عنده للخبر وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا من بين من رواه عنه ومن بين سائر من ذكرنا ممن يرويه عن شعبة وجه ، ورواه المقري ، عن ورقاء ، عن شعبة على ما ذكرناه أيضا ، قلنا : فعلى هذا يكون المعنى ، فإن غم عليكم رمضان فعدوه ثلاثين ، وعلى هذا لا يبقى لهم حجة في الحديث على أن أصحابنا قد تأولوا ما انفرد به البخاري من ذكر سفيان فقالوا : نحمله على ما إذا غم هلال رمضان وهلال شوال فإنا نحتاج إلى إكمال شعبان ثلاثين احتياطا للصوم ، فإنا وإن كنا قد صمنا يوم الثلاثين من شعبان فليس بقطع منا على أنه رمضان إنما صمناه حكما .

الحديث الثاني :

1061 - أخبرنا به محمد بن عبيد الله الزاغوني ، أنبأنا نصر بن الحسن ، أنبأنا عبد الغافر بن محمد ، أنبأنا محمد بن عيسى بن عمرويه ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا عبيد الله بن معاذ ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة ، عن محمد بن زياد ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم الشهر فعدوا ثلاثين . انفرد بإخراجه مسلم ، والجواب أن المراد فإن غم عليكم رمضان فعدوا رمضان ثلاثين يدل عليه شيئان أحدهما أن الكناية يرجع إلى أقرب المذكورين وأقربهما ، وأفطروا لرؤيته والثاني أنه قد روي مفسرا .

1062 - أخبرنا ابن عبد الواحد ، قال : أنبأنا الحسن بن علي التميمي ، قال : أنبأنا أحمد بن جعفر ، قال : حدثنا عبد الله بن أحمد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا عبد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما انفرد بإخراجه مسلم .

الحديث الثالث [ ص: 75 ] .

1063 - أخبرنا به ابن عبد الخالق ، قال : أنبأنا عبد الرحمن بن أبي بكر ، قال : حدثنا محمد بن عبد الملك ، قال : حدثنا الدارقطني ، حدثنا محمد بن موسى بن سهل ، حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن ربعي ، عن حذيفة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة قبله ، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة . ورواه منصور ، عن ربعي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثلاثين ، ثم صوموا ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تتموا وتكملوا العدة ثلاثين . والجواب أن أحمد ضعف حديث حذيفة ، وقال : ليس ذكر حذيفة فيه بمحفوظ ، ثم هو مجهول على حالة الصحو ؛ لأنه لم يذكر فيه الغيم ، وقد حمله أصحابنا على ما إذا غم هلال رمضان وهلال شوال على ما سبق .

الحديث الرابع :

1064 - أخبرنا ابن عبد الخالق ، قال : أنبأنا عبد الرحمن بن أحمد ، حدثنا محمد بن عبد الملك ، حدثنا الدارقطني ، قال : حدثنا عبيد الله بن محمد بن زياد ، حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية بن صالح ، عن عبد الله بن أبي قيس ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره ، ثم يصوم رمضان لرؤيته ، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ، ثم صام [ ص: 76 ] ، قال الدارقطني : هذا إسناد حسن صحيح . قلت : وهذه عصبية من الدارقطني كان يحيى بن سعيد لا يرضى معاوية بن صالح ، وقال أبو حاتم الرازي : لا يحتج به ، والذي حفظ من هذا فعدوا ثلاثين ثم أفطروا .

1065 - وبالإسناد قال الدارقطني : حدثنا ابن صاعد ، قال : حدثنا محمد بن زنبور المكي ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، قال : أنبأنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ، ثم أفطروا . ورواه أبو بكر بن عياش ، وأسامة بن زيد ، عن محمد بن عمرو بهذا قال الدارقطني ، وهي أسانيد صحاح ، وقد ذكرنا من حديث أبي هريرة فصوموا ثلاثين .

الحديث الخامس :

1066 - أخبرنا عبد الملك ، قال : أنبأنا الأزدي ، والغورجي ، قالا : أنبأنا الجراحي ، قال : حدثنا ابن محبوب ، قال : حدثنا الترمذي ، قال : حدثنا أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن عمرو بن قيس ، عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر ، قال : كنا عند عمار بن ياسر فأتى بشاة مصلية ، فقال : كلوا . فتنحى بعض القوم فقال : إني صائم ، فقال عمار : من صام اليوم الذي يشكك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم . قال الترمذي : هذا حديث صحيح .

الحديث السادس :

1067 - أخبرنا ابن عبد الخالق ، قال : أنبأنا عبد الرحمن بن أحمد ، قال : حدثنا محمد بن عبد الملك ، قال : حدثنا علي بن عمر الحافظ ، حدثنا محمد بن عمرو بن البختري ، حدثنا أحمد بن الخليل ، قال : حدثنا الواقدي ، قال : حدثنا داود بن خالد بن دينار ، ومحمد بن مسلم ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم ستة أيام ، اليوم الذي يشك فيه من رمضان ويوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق والجواب أنا قد بينا أن هذا ليس بيوم شك .

الحديث السابع .

1068 - أنبأنا محمد بن عبد الملك بن خيرون ، قال : أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب ، قال : أخبرني عبيد الله بن أبي الفتح ، قال : أنبأنا أبو بكر بن شاذان ، قال : حدثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلدي ، قال : حدثني هاشم بن القاسم الحراني ، قال : حدثنا يعلى بن الأشدق ، عن عبد الله بن جراد ، قال : أصبحنا يوم الثلاثين صياما ، وكان الشهر قد غم علينا فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم ، فأصبناه مفطرا ، فقلنا : يا نبي الله ، فقلنا : يا نبي الله صمنا اليوم . فقال : أفطروا [ ص: 77 ] إلا أن يكون رجل يصوم هذا اليوم فليتم صومه ؛ لأن أفطر يوما من رمضان يتمارى فيه أحب إلي من أن أصوم يوما من شعبان ليس منه يعني ليس من رمضان ، قال الخطيب : ففي هذا الحديث كفاية عن ما سواه ، قلت : لا تكون عصبية أبلغ من هذا فليته روى الحديث وسكت ، فأما أن يعلم عيبه ولا يذكره ، ثم يمدحه ، ويثني عليه ، ويقول فيه كفاية عن ما سواه ، فهذا مما أزرى به على علمه ، وأثر به في دينه ، أتراه ما علم أن أحدا يعرف قبح ما أتى كيف ، وهذا الأمر ظاهر لكل من شدا شيئا من علم الحديث ، فكيف بمن أوغل فيه أتراه ما علم أنه في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من روى حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ، وهذا الحديث موضوع على ابن جراد لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا ذكره أحد من الأئمة الذين جمعوا السنن ، وترخصوا في ذكر الأحاديث الضعاف ، وإنما هو مذكور في تسعة يعلى بن الأشدق ، عن ابن جراد وهي نسخة موضوعة ، قال أبو زرعة والرازي : يعلى بن الأشدق ليس بشيء . وقال أبو أحمد بن عدي الحافظ : روى يعلى بن الأشدق عن عمه عبد الله بن جراد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة منكرة وهو وعمه غير معروفين ، وقال البخاري : يعلى لا يكتب حديثه . وقال أبو حاتم بن حبان الحافظ : لقي يعلى عبد الله بن جراد فلما كبر اجتمع عليه من لا دين له ، فوضعوا له شبيها بما في حديث نسخة عن ابن جراد فجعل يحدث بها ، وهو لا يدري لا يحل الرواية عنه . قلت : وما كان هذا يخفى على الخطيب غير أن العصبية تغطي على الدهر ، وإنما يبهرج بما يخفى ، ومثل هذا لا يخفى نعوذ بالله من غلبات الهوى .

التالي السابق


الخدمات العلمية