صفحة جزء
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رحمه الله .

قال أبو سليمان في حديث عبد الله بن عمرو أنه قال : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر فإذا مات المؤمن يخلى له سربه يسرح حيث شاء .

حدثنيه أحمد بن إبراهيم بن مالك ، نا الحسن بن سفيان ، نا ابن أبي شيبة ، نا غندر ، عن شعبة ، عن يعلى بن عطاء ، عن يحيى بن قمطة ، عن عبد الله بن عمرو .

قوله : يخلى له سربه أي طريقه ومذهبه .

قال أبو زيد : يقال : خل سرب الرجل أي طريقه .

قال يعقوب : السرب الطريق والوجه والسرب : المال الراعي يقال : أغير على سرب بني فلان . ويقال : للمرأة عند الطلاق : اذهبي فلا أنده سربك : أي لا أرد إبلك . قال : ويقال : فلان آمن في سربه أي في نفسه .

[وقد اتفق أهل اللغة على كسر السين من قوله : آمن في سربه غير الأخفش فإنه قال : في سربه بفتح السين] [ ص: 493 ] قال غيره : السرب من الإبل ، السارب : أي الذاهب في المرعى حيث شاء كالسرح إنما هو السارح منها .

يقال : سرب الرجل في حاجته يسرب فيها سروبا : أي خرج . ومنه قوله تعالى : وسارب بالنهار .

وأما قوله : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر فإن هذا قد روي مرفوعا .

وقال بعض الناس سائلا أو معترضا : كيف يكون هذا ؟ وقد نرى مؤمنا في عيش رغد وكافرا في ضنك وتصريد .

والجواب في هذا من وجهين : أحدهما أن الدنيا كالجنة للكافر في جنب ما أعد الله له من العقوبة في الآخرة وأنها كالسجن للمؤمن بالإضافة إلى ما وعده الله من ثواب الآخرة ونعيمها فالكافر يحب المقام فيها ويكره مفارقتها . والمؤمن يتشوف للخروج منها ويطلب الخلاص من آفاتها بمنزلة المسجون الذي همه أبدا أن يفك عنه ويخلى سبيله .

والوجه الآخر : أن يكون هذا صفة المؤمن المستكمل الإيمان الذي قد عزف نفسه عن ملاذ الدنيا وشهواتها فصارت عليه بمنزله السجن في الضيق والشدة .

[ ص: 494 ] وأما الكافر فقد أهمل نفسه وأمرجها في طلب اللذات وتناول الشهوات فصارت له الدنيا كالجنة في النعمة والسعة .

التالي السابق


الخدمات العلمية