صفحة جزء
542 - وقال أبو عبيد في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أبيض بن حمال المأربي استقطعه الملح الذي بمأرب فأقطعه إياه ، فلما ولى قال رجل : يا رسول الله! أتدري ما أقطعته ؟ إنما أقطعت له الماء العد .

قال فرجعه منه .

قال أبو عبيد : وهذا حديث يروى عن محمد بن يحيى بن قيس المأربي ، عن أبيه ، عن ثمامة بن شراحيل ، عن سمي بن قيس ، عن [ ص: 82 ] شمير ، عن أبيض بن حمال ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

قال : وسأله أيضا : "ماذا يحمي من الأراك ؟ قال : ما لم تنله أخفاف الإبل " .

قال الأصمعي : قوله : الماء العد الدائم الذي لا انقطاع له [قال ] :

وهو مثل ماء العين ، وماء البئر ، وجمع العد أعداد قال ذو الرمة يذكر امرأة انتجعت ماء عدا ؛ وذلك في الصيف إذا نشت مياه الغدر [فقال ] :


دعت مية الأعداد واستبدلت بها خناطيل آجال من العين خذل

يعني : منازلها التي تركتها ، فصارت بها العين [ ص: 83 ] .

وفي هذا الحديث من الفقه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطع القطائع وقلما يوجد هذا في حديث مسند .

وفيه : أنه لما قيل له : "إنه ماء عد" ترك إقطاعه ، كأنه يذهب [به ] - صلى الله عليه وسلم - إلى أن الماء إذا لم يكن في ملك أحد أنه لابن السبيل وأن الناس فيه جميعا شركاء .

وفيه أنه حكم بشيء ، ثم رجع عنه ، وهذا حجة للحاكم إذا حكم حكما ، ثم تبين له أن الحق في غيره ، أن ينقض حكمه ذلك ، ويرجع عنه .

وفيه أيضا أنه نهى أن يحمى ما نالته أخفاف الإبل من الأراك ؛ وذلك أنه مرعى لها ، فرآه مباحا لابن السبيل ، وذلك لأنه كلأ ، والناس شركاء في الماء والكلأ .

وما لم تنله أخفاف الإبل ، كان لمن شاء أن يحميه حماه .

التالي السابق


الخدمات العلمية