صفحة جزء
594 - وقال أبو عبيد في حديث عمر - رضي الله عنه - أنه قضى في الأرنب بحلان ، يعني إذا قتلها المحرم [ ص: 188 ] .

قال : حدثناه ابن مهدي ، عن سفيان [الثوري ] ، عن سماك بن حرب ، عن النعمان بن حميد ، عن عمر .

قال " الأصمعي " وغيره : قوله : الحلان ، يعني الجدي ، وأنشدني [ذلك ] :


تهدي إليه ذراع الجدي تكرمة إما ذكيا وإما كان حلانا

ويروى : "إما ذبيحا " فالذبيح : الذي قد أسن ، وأدرك أن يضحى به ، فهو يجوز أن يكون ذبيحا وذبحا .

وأما قوله : وإما كان حلانا ، فإنه يعني الصغير الذي لا يجزئ في الأضحية . وأما الذكي فهو الذي يذكى بالذبح .

وقد سمعت في الحلان غير هذا .

يقال : إن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا ولد له جدي حز في أذنه حزا ، أو قطع منها شيئا ، وقال : اللهم إن عاش فقني وإن مات فذكي .

قال : فإن عاش الجدي فهو الذي أراد ، وإن مات قال : قد كنت ذكيته بالحز ، فاستجاز أكله بذلك [ ص: 189 ] .

وهذا التفسير يجوز في هذا الشعر .

فأما "عمر " فإنه لم يرد بالحلان إلا الجدي نفسه ، فجعله اسمه ، إن كان فيه الحز ، أو لم يكن .

يقول : على هذا المحرم - الذي قتل أرنبا - أن يذبح جديا .

وفي الحلان أيضا لغة أخرى : الحلام - بالميم - وربما شبهوا الميم بالنون ، حتى يجعلوهما في قافية ، قال : أنشدني "الأحمر " :

يا رب جعد فيهم لو تدرين

يضرب ضرب السبط المقاديم

فجمع بين الميم والنون في قافية ، وذلك لقرب مخرج أحدهما من الآخر .

وهذا كقولهم : أغمطت عليه الحمى ، وأغبطت ، وقال "المهلهل " :

كل قتيل في كليب حلام

حتى ينال القتل آل همام

يقول : كلهم ناقص ليس بكفء لكليب ، ولا فيهم وفاء بدمه ، كما أن الجدي ليس فيه وفاء بالمسن ، إلا آل همام ، فإنهم أكفاء له ، وفيهم وفاء بدمه .

قال أبو زيد : والجفر أيضا ، من أولاد المعز : ما بلغ أربعة أشهر ، وفصل عن أمه .

ومنه عمر أنه قضى في الضبع كبشا ، وفي الظبي شاة ، وفي اليربوع جفرا ، أو جفرة [ ص: 190 ] .

[حدثنا أبو عبيد ] ، قال : حدثنيه ابن علية ، عن أيوب ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن عمر .

وقال حسان بن ثابت [في رجل جرح فسقط ] :


ومرنح فيه الأسنة شرعا     كالجفر غير سميدع الأعمام

وفي هذا الحديث من الفقه : أنه يرد قول من قال : لا يكون الهدي أصغر من الجذع من الضأن ، والثني من المعز ، يشبههما بالأضاحي ، ويقول : عليه القيمة يتصدق بها ، وقول "عمر " [رحمه الله ] أولى بالاتباع .

التالي السابق


الخدمات العلمية