صفحة جزء
9 - " إن الله كتب كتابا على نفسه فهو عنده، إن رحمتي غلبت غضبي " .

[ ص: 93 ]

فبين مراد الله تعالى فيما أخبر عن نفسه، وبين أن نفسه قديم غير فان، وأن ذاته لا يوصف إلا بما وصف، ووصفه النبي -صلى الله عليه وسلم-، لأن المجاوز وصفهما يوجب المماثلة، والتمثيل والتشبيه لا يكون إلا بالتحقيق، ولا يكون باتفاق الأسماء، وإنما وافق اسم النفس اسم نفس الإنسان الذي سماه الله نفسا منفوسة، وكذلك سائر الأسماء التي سمى بها خلقه، إنما هي مستعارة لخلقه منحها عباده للمعرفة، فمن الصفات التي وصف بها نفسه ومنح خلقه الكلام، فالله تعالى يتكلم كلاما أزليا غير معلم، ولا منقطع، فبه يخلق الأشياء، وبكلامه دل على صفاته التي [ ص: 94 ] لا يستدركها مخلوق، ولا يبلغها وصف واصف، والعبد متكلم بكلام محدث معلم مختلف، فان بفنائه، ووصف وجهه، فقال: كل شيء هالك إلا وجهه فأخبر عن فناء وجوه المخلوقين، وبقاء وجهه، ووصف نفسه بالسمع والبصر فقال: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وأخبر أنه سميع من كل الجهات لكل الأصوات، بصير بكل الأشياء من كل الجهات، لم يزل يسمع ويبصر، ولا يزال كذلك، ووصف عباده بالسمع والبصر المحدث المخلوق، الفاني بفنائه الذي يكل ويعجز عن جميع حقيقة المسموع والمبصر، ووصف نفسه بالعلم والقدرة، والرحمة، ومنحها عباده للمعرفة عند الوجود فيهم، والنكرة عند وجود المضاد فيهم، فجعل ضد العلم في خلقه الجهل، وضد القدرة العجز، وضد الرحمة القسوة، فهي موجودة في الخلق غير جائزة على الخالق، فوافقت الأسماء، وباينت المعاني من كل الجهات، لم يزل ولا يزال موصوفا بالعلم غير معلم، باق غير فان، والعبد مضطر إلى أن يتعلم ما لم يعلم، ثم ينسى ثم يموت ويذهب علمه والله -عز وجل- موصوف بالعلم بجميع الأشياء من كل الجهات دائما باقيا، ففيما ذكرنا دليل على جميع الأسماء والصفات التي (لم) نذكرها، وإنما ينفي التمثيل والتشبيه النية والعلم بمباينة الصفات والمعاني، والفرق بين [ ص: 95 ] الخالق والمخلوق في جميع الأشياء فيما يؤدي إلى التمثيل والتشبيه عند أهل الجهل والزيغ، ووجوب الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه، وأخبر عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأن أسامي الخلق وصفاتهم وافقتها في الاسم، (و) باينتها في جميع المعاني لحدوث خلقه وفنائهم، وأزلية الخالق وبقائه، وبما أظهر من صفاته، ومنع استدراك كيفيتها فقال: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .

وإنما ذكرنا هذا الفصل؛ لئلا يتعلق الضالون عن الهداية، الزائغون عن كتاب الله تعالى وكلام رسوله؛ فتأولوا الصفات والأسماء التي في كتابه، ونقلها الخلف الصادق عن السلف الطاهر عن الله تعالى، وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم- الذين نقلوا دين الله وأحكامه، وبلغوا جميع أمر الله التي أمروا بإبلاغها من الصفات وغيرها من أمور الدين، واجتنبوا وعيد الله (تعالى) في كتابه قال الله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون . فبلغوا كما أمرهم الله تعالى، لم تأخذهم في الله لومة لائم خلفا عن سلف، جعلنا [ ص: 96 ] الله تعالى ممن يتبعهم بإحسان، إنه ولي ذلك برحمته ".

التالي السابق


الخدمات العلمية