صفحة جزء
فصل

قد تمسك أهل القدر بآيات جهلوا معانيها وحملوها على غير وجوهها ، وجعلوها ذريعة لبدعتهم وأهوائهم، ومعانيها عند أهل الحق ظاهرة على ما يوافق العقائد الصحيحة منها قوله تعالى: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك

وفي قراءة عبد الله: وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك ، وقيل في التفسير: القول هنا مضمر كأنه قال: ويقولون: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك " .

ويدل على هذا قوله تعالى: قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا .

[ ص: 63 ] وقيل نزلت على سبب: وهو ما فعل الرماة يوم أحد من إخلالهم بالمكان الذي أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بملازمته. فالحسنة ما أصابوا من القتل والسبي والغنائم من الكفار. والسيئة ما أصيب منهم من القتل والجرح.

ونحن إن جعلنا أفعال العباد من الله خلقا ومشيئة وتقديرا فهي من العباد فعل وكسب. وبهذا المعنى صحت إضافة الأفعال إلى العباد وتحققت منهم الأعمال .

وقد ورد في الكتاب الدلائل على كل واحد من هذين، فاتبعنا القرآن وجرينا معه بما دل عليه من أن الأعمال مخلوقة لله تعالى مكتسبة من العباد.

[ ص: 64 ] فالآية الأولى وهي قوله: كل من عند الله دلت على أنها من الله خلقا وتقديرا وقضاء.

والآية الثانية دلت على أنها من العباد كسبا وفعلا. وعلى هذا يحمل جميع ما ورد في القرآن من تحقيق أعمال العباد، وإثبات أفعالهم، وإضافتها إليهم.

وكذلك ما ورد في القرآن من ذكر الجزاء على الطاعات، والعقاب على المعاصي. إنما صح إطلاق هذا اللفظ وإن كان ما يفعله محض الفضل على ما نطق به الكتاب. قال الله تعالى: وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله . وقال: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا

39 - وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ما منكم من أحد ينجيه عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته ".

[ ص: 65 ] وقالوا: إذا جعلنا أفعال العباد مخلوقة لله - تعالى - لم يمكن تحقيق أفعال العباد وأعمالهم، لأن الفعل الواحد لا يتصور من فاعلين.

وكذلك ذكر الجزاء على الأعمال: دليل على أن أفعال العباد بأجمعها منسوبة إلى العباد، وليس لله تعالى فيها صنع ولا خلق؛ لأن الجزاء إنما يكون من المجازي على فعل الغير لا على فعل نفسه - وهل يتصور في الفعل أن يتوعد أحد أحدا على فعل نفسه، أو يثيبه على فعل نفسه؟

وقالوا في قوله تعالى: وأضله الله على علم . أي وجده ضالا. أو سماه ضالا. وكذلك قوله تعالى: أغفلنا قلبه عن ذكرنا أي وجدناه ضالا. ولهم تأويلات بعيدة منكرة .

وقولهم: لا يجوز فعل من فاعلين ، فالذي يعتمد عليه أرباب الدين والسنة ويعولون عليه أصلان:

أحدهما: أن يعلم ويعتقد أن في الدين أمورا يلزمنا الإيمان [ ص: 66 ] بجملتها ولا يصح وصولنا إلى تفصيل حقائقها، وسبيلنا أن ننتهي إلى ما حد لنا فيه، وأن نرد الأمر إلى ما ورد من التوقيف من أحكامها.

قال بعض العلماء: إذا انتهى الكلام إلى الله، وإلى ما تفرد به من العلم، فليس إلا الانتهاء والتوقيف.

والأصل الآخر: أن يعلم أنه ليس ما لا يدركه العقل فلا يجوز اعتقاده في الدين، وقد غلط الناس في هذا غلطا عظيما، فجعلوا ما يعجز العقل عن الإحاطة به مستحيلا في باب الدين، وقالوا: لا يجوز أن يعتقد إلا ما يدركه العقل.

وإنما قول أهل السنة: أن ما لا يدركه العقل فمن حقه التوقيف وتفويض علمه إلى الله تعالى، وترك الخوض فيه، ولا نقول إنه يعرض على ميزان العقول فإن استقام قبل، وإلا طرح، فهذا مذهب من يبني دينه على المعقول.

[ ص: 67 ] فأما من جعل أساس دينه الاتباع فإنما طريقه ما بيناه، وإذا عرفت هذين الأصلين فلا تغفل عنهما في شيء مما يورده أهل البدعة، فإن الجواب عن ما يوردونه مع إحكام هذين الأصلين سهل.

وبيان هذا السؤال الذي أوردوه أنا عرفنا أن الأفعال التي يفعلها العباد مخلوقة لله سبحانه وتعالى بالكتاب والسنة، وعلمنا أنها مكسوبة للعباد بالكتاب والسنة، فوقفنا حيث وقف بنا الشرع، ولم نتجاوز الحد الذي ضربه لنا، ولم نعارضه بكيف، ولا لم؟

وهذا هو حقيقة حد العبودية، والطواعية من العبد للخالق، فإنه لا معارضة للمملوك على المالك ولا للعبد على السيد، وإنما سبيله الامتثال، والقبول، والرب يفعل ما يشاء.

[ ص: 68 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية