صفحة جزء
ثم يبقى في هذا الفصل الذي فرغنا منه إشكال على كل من اختار استفتاء القلب مطلقا أو بقيد ، وهو الذي رآه الطبري . وذك أن حاصل الأمر يقتضي أن فتاوى القلوب وما اطمأنت إليه النفوس معتبر في الأحكام الشرعية ، وهو التشريع بعينه ، فإن طمأنينة النفس القلب مجردا عن الدليل ، إما أن تكون معتبرة أو غير معتبرة شرعا ، فإن لم تكن معتبرة فهو خلاف ما دلت عليه تلك الأخبار ، وقد تقدم أنها معتبرة بتلك الأدلة وإن كانت معتبرة فقد صار ثم قسم ثالث غير الكتاب والسنة ، وهو غير ما نفاه الطبري وغيره .

وإن قيل : إنها تعتبر في الإحجام دون الإقدام . لم تخرج تلك عن [ ص: 666 ] الإشكال الأول ، لأن كل واحد من الإقدام والإحجام فعل لا بد أن يتعلق به حكم شرعي ، وهو الجواز وعدمه ، وقد علق ذلك بطمأنينة النفس أو عدم طمأنينتها . فإن كان ذلك عن دليل ، فهو ذلك الأول بعينه ، باق على كل تقدير .

والجواب : أن الكلام الأول صحيح . وإنما النظر في تحقيقه .

فاعلم أن كل مسألة تفتقر إلى نظرين : نظر في دليل الحكم ، ونظر في مناطه ، فأما النظر في دليل الحكم لا يمكن أن يكون إلا من الكتاب والسنة ، أو ما يرجع إليهما من إجماع أو قياس أو غيرهما ، ولا يعتبر فيه طمأنينة النفس ، ولا نفي ريب القلب ، إلا من جهة اعتقاد كون الدليل دليلا أو غير دليل . ولا يقول أحد ( غير ذلك ) إلا أهل البدع الذين يستحسنون الأمر بأشياء لا دليل ( عليها ) ، أو يستقبحون كذلك من غير دليل إلا طمأنينة النفس أن الأمر كما زعموا ، وهو مخالف لإجماع المسلمين . أ

وأما النظر في مناط الحكم ، فإن المناط لا يلزم منه أن يكون ثابتا بدليل شرعي فقط ، بل يثبت بدليل غير شرعي أو بغير دليل ، فلا يشترط فيه بلوغ درجة الاجتهاد ، بل لا يشترط فيه العلم فضلا : عن درجة الاجتهاد : ألا ترى أن العامي إذا سأل عن الفعل الذي ليس من جنس الصلاة إذا فعله المصلي : هل تبطل به الصلاة أم لا ؟ فقال العامي : إن كان يسيرا فمغتفر ، وإن كان كثيرا فمبطل ، لم يغتفر في السير إلى أن يحققه له العالم . بل العاقل يفرق بين الفعل اليسير والكثير . فقد انبنى هاهنا الحكم ـ وهو البطلان أو عدمه ـ على ما يقع بنفس

العامي ، وليس واحدا [ ص: 667 ] من الكتاب أو السنة ، لأنه ليس ما وقع بقلبه دليلا على الحكم ، وإنما هو مناط الحكم ، فإذا تحقق له المناط بأي وجه تحقق ، فهو المطلوب فيقع عليه الحكم بدليله الشرعي .

وكذلك إذا قلنا بوجوب الفور في الطهارة ، وفرقنا بين اليسير والكثير في التفريق الحاصل أثناء الطهارة ، فقد يكتفي العامي بذلك حسبما يشهد قلبه في اليسير أو الكثير ، فتبطل طهارته أو تصح بناء على ذلك الواقع في القلب ، لأنه نظر في مناط الحكم .

فإذا ثبت هذا فمن ملك لحم شاة ذكية حل له أكله ، لأن حليته ظاهرة عنده إذا حصل له شرط الحلية لتحقيق مناطها بالنسبة إليه : أو ملك لحم شاة ميتة لم يحل له أكله ، لأن تحريمه ظاهر من جهة فقده شرط الحلية ، فتحقق مناطها بالنسبة إليه . وكل واحد من المناطين راجع إلى ما وقع بقلبه ، واطمأنت إليه نفسه ، لا بحسب الأمر في نفسه . ألا ترى أن اللحم قد يكون واحدا بعينه فيعتقد واحد حليته بناء على ما تحقق له من مناطه بحسبه ، ويعتقد آخر تحريمه بناء على ما تحقق له من مناطه بحسبه ، فيأكل أحدهما حلالا ويجب على الآخر الاجتناب ، لأنه حرام ؟ ولو كان ما يقع بالقلب يشترط فيه أن يدل عليه دليل شرعي لم يصح هذا المثال وكان محالا ، لأن أدلة الشرع لا تتناقض أبدا . فإذا فرضنا لحما أشكل على المالك تحقيق مناطه لم ينصرف إلى إحدى الجهتين ، كاختلاط الميتة بالذكية ، واختلاط الزوجة بالأجنبية .

فهاهنا قد وقع الريب والشك والإشكال والشبهة .

وهذا المناط محتاج إلى دليل شرعي يبين حكمه ، وهي تلك الأحاديث المتقدمة ، كقوله : [ ص: 668 ] دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وقوله : البر ما اطمأنت إليه النفس ، والإثم ما حاك في صدرك كأنه يقول : إذا اعتبرنا باصطلاحنا ما تحققت مناطه في الحلية أو الحرمة ، فالحكم فيه من الشرع بين .

وما أشكل عليك تحقيقه فاتركه وإياك والتلبس به . وهو معنى قوله ـ إن صح ـ : استفت قلبك وإن أفتوك فإن تحقيقك لمناط مسألتك أخص بك من تحقيق غيرك له إذا كان مثلك .

ويظهر ذلك فيما إذا أشكل عليك المناط ولم يشكل على غيرك ، لأنه لم يعرض له ما عرض لك .

وليس المراد بقوله : وإن أفتوك أي إن نقلوا إليك الحكم الشرعي فاتركه وانظر ما يفتيك به قلبك ، فإن هذا باطل ، وتقول على التشريع الحق . وإنما المراد ما يرجع إلى تحقيق المناط .

نعم قد لا يكون لك دربة أو أنس لك فيحققه لك غيرك ، وتقلده فيه ، وهذه الصورة خارجة عن الحديث ، كما أنه قد يكون تحقيق المناط أيضا موقوفا على تعريف الشارع ، كحد الغنى الموجب للزكاة ، فإنه يختلف باختلاف الأحوال ، فحققه الشارع بعشرين دينارا أو مائتي درهم وأشباه ذلك ، وإنما النظر هنا فيما وكل تحقيقه إلى المكلف .

فقد ظهر معنى المسألة وأن الأحاديث لم تتعرض لاقتناص الأحكام الشرعية من طمأنينة النفس أو ميل القلب كما أورده السائل المستشكل ، وهو تحقيق بالغ . والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

التالي السابق


الخدمات العلمية