صفحة جزء
فصل ( النوع الثاني )

إن الله تعالى أنزل الشريعة على رسوله صلى الله عليه وسلم فيها تبيان كل شيء يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التي أمروا بها ، وتعبداتهم التي طوقوها في أعناقهم ، ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كمل الدين بشهادة الله تعالى بذلك ؛ حيث قال تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فكل من زعم أنه بقي في الدين شيء لم يكمل فقد كذب بقوله : اليوم أكملت لكم دينكم .

فلا يقال : قد وجدنا من النوازل والوقائع المتجددة ما لم يكن في الكتاب ولا في السنة نص عليه ، ولا عموم ينتظمه ، وأن مسائل الجد في الفرائض ، والحرام في الطلاق ، ومسألة الساقط على جريح محفوف بجرحى ، وسائر المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها من كتاب ولا سنة فأين الكلام فيها ؟

فيقال في الجواب : أولا إن قوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم إن اعتبرت فيها الجزئيات من المسائل والنوازل فهو كما أوردتم ، ولكن المراد كلياتها ، فلم يبق للدين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات والحاجيات أو التكميليات إلا وقد بينت غاية البيان ، [ ص: 817 ] نعم يبقى تنزيل الجزئيات على تلك الكليات موكولا إلى نظر المجتهد ، فإن قاعدة الاجتهاد أيضا ثابتة في الكتاب والسنة ، فلابد من إعمالها . ولا يسع الناس تركها ، وإذا ثبت في الشريعة أشعرت بأن ثم مجالا للاجتهاد ، ولا يوجد ذلك إلا فيما لا نص فيه . ولو كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل ، فالجزئيات لا نهاية لها ، فلا تنحصر بمرسوم ، وقد نص العلماء على هذا المعنى ، فإنما المراد الكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد التي يجري عليها ما لا نهاية له من النوازل .

ثم نقول ثانيا : إن النظر في كمالها بحسب خصوص الجزئيات يؤدي إلى الإشكال والالتباس ، وإلا فهو الذي أدى إلى إيراد هذا السؤال ، إذ لو نظر السائل إلى الحالة التي وضعت عليها الشريعة ، وهي حالة الكلية لم يورد سؤاله ، لأنها موضوعة على الأبدية ، وإن وضعت الدنيا على الزوال والنهاية .

وأما الجزئية فموضوعة على النهاية المؤدية إلى الحصر في التفصيل ، وإذ ذاك قد يتوهم أنها لم تكمل فيكون خلافا لقوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وقوله تعالى : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء الآية ، ولا شك أن كلام الله هو الصادق ، وما خالفه فهو المخالف . فظاهر إذ ذاك أن الآية على عمومها وإطلاقها ، وأن النوازل التي لا عهد بها لا تؤثر في صحة هذا الكمال لأنها إما محتاج إليها وإما غير محتاج إليها ، فإن كانت محتاجا إليها فهي مسائل الاجتهاد [ ص: 818 ] الجارية على الأصول الشرعية فأحكامها قد تقدمت ، ولم يبق إلا منظر المجتهد إلى أي دليل يستند خاصة وإن كانت غير محتاج إليها ، فهي البدع المحدثات ، إذ لو كانت محتاجا إليها لما سكت عنها في الشرع ، لكنها مسكوت عنها بالفرض ولا دليل عليها فيه كما تقدم ، فليست بمحتاج إليها . فعلى كل تقدير قد كمل الدين والحمد لله .

ومن الدليل على أن هذا المعنى هو الذي فهمه الصحابة - رضي الله عنهم - ، أنهم لم يسمع عنهم قط إيراد ذلك السؤال ، ولا قال أحد منهم : لم لم ينص على حكم الجد مع الإخوة ؟ وعلى حكم من قال لزوجته : أنت علي حرام ؟ وأشباه ذلك مما لم يجدوا فيه عن الشارع نصا ، بل قالوا فيها وحكموا بالاجتهاد ، واعتبروا بمعان شرعية ترجع في التحصيل إلى الكتاب والسنة ، وإن لم يكن بالنص فإنه بالمعنى . فقد ظهر إذا وجه كمال الدين على أتم الوجوه .

وننتقل منه إلى معنى آخر ، وهو أن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن مبرأ عن الاختلاف والتضاد ، ليحصل فيه كمال التدبر والاعتبار ، فقال سبحانه وتعالى : أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فدل معنى الآية على أنه بريء من الاختلاف ، فهو يصدق بعضه بعضا ، ويعضد بعضه بعضا ، من جهة اللفظ ومن جهة المعنى .

فأما جهة اللفظ فإن الفصاحة فيه متواترة مطردة بخلاف كلام المخلوق .

فإنك تراه إلى الاختلاف ما هو فيأتي بالفصل من الكلام [ ص: 819 ] الجزل الفصيح فلا يكاد يختمه إلا وقد عرض له في أثنائه ما نقص من منصب فصاحته ، وهكذا تجد القصيدة الواحدة ، منها ما يكون على نسق الفصاحة اللائقة ، ومنها ما لا يكون كذلك .

وأما جهة المعنى ، فإن معاني القرآن على كثرتها أو على تكرارها بحسب مقتضيات الأحوال على حفظ وبلوغ غاية في إيصالها إلى غايتها، من غير إخلال بشيء منها ، ولا تضاد ولا تعارض ، على وجه لا سبيل إلى البشر أن يدانوه ، ولذلك لما سمعته أهل البلاغة الأولى والفصاحة الأصلية - وهم العرب - لم يعارضوه ، ولم يغيروا في وجه إعجازه بشيء مما نفى الله تعالى عنه ، وهم أحرص ما كانوا على الاعتراض فيه والغض من جانبه ، ثم لما أسلموا وعاينوا معانيه وتفكروا في غرائبه ، لم يزدهم البحث إلا بصيرة في أنه لا اختلاف فيه ولا تعارض ، والذي نقل من ذلك يسير توقفوا فيه توقف المسترشد حتى يرشدوا إلى وجه الصواب ، أو توقف المتثبت في الطريق .

وقد صح أن سهل بن حنيف قال يوم صفين وحكم الحكمين : يا أيها الناس اتهموا رأيكم ، فلقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أبي جندل ولو نستطيع أن نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددناه ، وايم الله ما وضعنا سيوفنا من على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يفظعنا إلا أسهلن بنا أمر نعرفه الحديث .

فوجه الشاهد منه أمران : قوله اتهموا الرأي فإن معارضة الظواهر في غالب الأمر رأي غير مبني على أصل يرجع إليه .

[ ص: 820 ] وقوله في الحديث - وهو النكتة في الباب - : والله ما وضعنا سيوفنا إلى آخره ، فإن معناه : أن كل ما ورد عليهم في شرع الله مما يصادم الرأي فإنه حق يتبين على التدريج حتى يظهر فساد ذلك الرأي ، وأنه كان شبهة عرضت وإشكالا ينبغي أن لا يلتفت إليه ، بل يتهم أولا ويعتمد على ما جاء في الشرع ، فإنه إن لم يتبين اليوم تبين غدا ، ولو فرض أنه لا يتبين أبدا فلا حرج ، فإنه متمسك بالعروة الوثقى .

وفي الصحيح عن عمر - رضي الله عنه - قال : سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستمعت لقراءته ، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكدت أساوره في الصلاة ، فصبرت حتى سلم ، فلببته بردائه ، فقلت : من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ ؟ . . . فقال : أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقلت : كذبت ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسله . اقرأ يا هشام ، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كذلك أنزلت - ثم قال - اقرأ يا عمر فقرأت القراءة التي أقرأني فقال - كذلك أنزلت ، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرؤوا ما تيسر منه .

وهذه المسألة إنما هي إشكال وقع لبعض الصحابة في نقل الشرع بين لهم جوابه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن ذلك دليلا على أن فيه اختلافا ، فإن [ ص: 821 ] الاختلاف بين المكلفين في بعض معانيه أو مسائله لا يستلزم أن يكون فيه نفسه اختلاف ، فقد اختلفت الأمم في النبوات ولم يكن ذلك دليلا على وقوع الاختلاف في نفس النبوات . واختلفت في مسائل كثيرة من علوم التوحيد ولم يكن اختلافهم دليلا على وقوع الاختلاف فيما اختلفوا فيه ، فكذلك ما نحن فيه .

وإذا ثبت هذا صح منه أن القرآن في نفسه لا اختلاف فيه ، ثم نبني على هذا معنى آخر ، وهو أنه لما تبين تنزهه عن الاختلاف ، صح أن يكون حكما بين جميع المختلفين ، لأنه إنما يقرر معنى هو الحق ، والحق لا يختلف في نفسه ، فكل اختلاف صدر من مكلف فالقرآن هو المهيمن عليه ، قال الله تعالى : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا فهذه الآية وما أشبهها صريحة في الرد إلى كتاب الله تعالى وإلى سنة نبيه ، لأن السنة بيان الكتاب ، وهو دليل على أن الحق فيه واضح ، وأن البيان فيه شاف ، لا شيء بعده يقوم مقامه ، وهكذا فعل الصحابة - رضي الله عنهم - ، لأنهم كانوا إذا اختلفوا في مسألة ردوها إلى الكتاب والسنة ، وقضاياهم شاهدة بهذا المعنى ، لا يجهلها من زاول الفقه ، فلا فائدة في جلبها إلى هذا الموضع لشهرتها ، فهو إذا مما كان عليه الصحابة . [ ص: 822 ] فإذا تقرر هذا فعلى الناظر في الشريعة بحسب هذه المقدمة أمران :

أحدهما : أن ينظر إليها بعين الكمال لا بعين النقصان ، ويعتبرها اعتبارا كليا في العبادات والعادات ، ولا يخرج عنها البتة ، لأن الخروج عنها تيه وضلال ورمي في عماية ، كيف وقد ثبت كمالها وتمامها ؟ فالزائد والناقص في جهتها هو المبتدع بإطلاق، والمنحرف عن الجادة إلى بنيات الطرق .

والثاني : أن يوقن أنه لا تضاد بين آيات القرآن ولا بين الأخبار النبوية ولا بين أحدهما مع الآخر ، بل الجميع جار على مهيع واحد ومنتظم إلى معنى واحد ، فإذا أداه بادئ الرأي إلى ظاهر اختلاف فواجب عليه أن يعتقد انتفاء الاختلاف ، لأن الله قد شهد له أن لا اختلاف فيه . فليقف وقوف المضطر السائل عن وجه الجمع ، أو المسلم من غير اعتراض ، فإن كان الموضع مما يتعلق به حكم عملي فليلتمس المخرج حتى يقف على الحق اليقين ، أو ليبق باحثا إلى الموت ولا عليه من ذلك ، فإذا اتضح له المغزى وتبينت له الواضحة . فلابد له من أن يجعلها حاكمة في كل ما يعرض له من النظر فيها . ويضعها نصب عينيه في كل مطلب ديني ، كما فعل من تقدمنا ممن أثنى الله عليهم .

فأما الأمر الأول : فهو الذي أغفله المبتدعون فدخل عليهم بسبب ذلك الاستدراك على الشرع ، وإليه مال كل من كان يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم فيقال له ذلك، ويحذر ما في الكذب عليه من الوعيد . فيقول : [ ص: 823 ] لم أكذب عليه وإنما كذبت له .

وحكي عن محمد بن سعيد المعروف بالأردني أنه قال : إذا كان الكلام حسنا لم أر بأسا أن أجعل له إسنادا . فلذلك كان يحدث بالموضوعات ، وقد قتل في الزندقة وصلب .

وقد تقدم لهذا القسم أمثلة كثيرة .

وأما الأمر الثاني : فإن قوما أغفلوه أيضا ولم يمعنوا النظر حتى اختلف عليهم الفهم في القرآن والسنة ، فأحالوا بالاختلاف عليها تحسينا للظن بالنظر الأول ، وهذا هو الذي عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من حال الخوارج حيث قال : يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم فوصفهم بعدم الفهم للقرآن ، وعند ذلك خرجوا على أهل الإسلام ، إذ قالوا : لا حكم إلا لله ، وقد حكم الرجال في دين الله ، حتى بين لهم حبر القرآن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - معنى قوله تعالى : إن الحكم إلا لله على وجه أذعن بسببه منهم ألفان ، أو من رجع منهم إلى الحق ، وتمادى الباقون على ما كانوا عليه ، اعتقادا - والله أعلم - على قول من قال منهم : لا تناظروه ولا تخاصموه فإنه من الذين قال الله فيهم : بل هم قوم خصمون .

فتأملوا رحمكم الله كيف كان فهمهم في القرآن . ثم لم يزل هذا الإشكال يعتري أقواما حتى اختلفت عليهم الآيات والأحاديث ، وتدافعت على أفهامهم فجعجعوا به قبل إمعان النظر . عشرة أمثلة لمن اختلفت عليهم الآيات والأحاديث فظنوا أن في الشريعة تناقضا أحدها تناقض آية فأقبل بعضهم على بعض مع آية فإذا نفخ في الصور

[ ص: 824 ] ولنذكر من ذلك عشرة أمثلة :

أحدها : قول من قال : إن قوله تعالى : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون يتناقض مع قوله تعالى : فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون .

والثاني : قول من قال في قوله تعالى : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان مضاد لقوله : وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون وقوله تعالى : ولتسألن عما كنتم تعملون .

والثالث : قول من قال في قوله تعالى : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين إلى قوله تعالى : ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين إن هذا صريح في أن الأرض مخلوقة قبل السماء ، وفي الآية الأخرى : أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها فصرح بأن الأرض مخلوقة بعد السماء .

[ ص: 825 ] ومن هذه الأسئلة ما أورده نافع بن الأزرق - أو غيره على ابن عباس - رضي الله عنهما - ، فخرج البخاري في المعلقات عن سعيد بن جبير قال : قال رجل لابن عباس : إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي وهي قوله تعالى : فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، ولا يكتمون الله حديثا ، والله ربنا ما كنا مشركين فقد كتموا في هذه الآية : أم السماء بناها رفع سمكها فسواها إلى قوله تعالى : والأرض بعد ذلك دحاها فذكر خلق السماء قبل الأرض ثم قال : أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى قوله : ثم استوى إلى السماء وهي دخان إلى قوله طائعين فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء ، وقال : [ ص: 826 ] وكان الله غفورا رحيما عزيزا حكيما سميعا بصيرا فكأنه كان ثم مضى فقال - يعني ابن عباس : فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون في النفخة الأولى ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون ، ثم في النفخة الأخرى أقبل بعضهم على بعض يتساءلون .

وأما قوله : ما كنا مشركين ولا يكتمون الله حديثا فإن الله عز وجل يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم ، وقال المشركون تعالوا نقول : لم نكن مشركين . فختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عرفوا أن الله لا يكتم حديثا ، وعنده ، يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض .

وقوله عز وجل : خلق الأرض في يومين ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات في يومين آخرين ثم دحا [ ص: 827 ] الأرض ، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى . وخلق الجبال والآكام وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله : دحاها وقوله تعالى : خلق الأرض في يومين فخلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام ، وخلقت السموات في يومين . وكان الله غفورا رحيما سمى نفسه بذلك ، وذلك ( قوله ) أي لم يزل كذلك ، فإن الله عز وجل لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد ، فلا يختلف عليك القرآن ، فإن كلا من عند الله .

والرابع : قول من قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله لما خلق آدم مسح ظهره بيمينه فأخرج منه ذريته إلى يوم القيامة وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى الحديث كما وقع مخالف لقول الله تعالى : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ! فالحديث أنه أخذهم من ظهر آدم ، والكتاب يخبر أنه أخذ من ظهور بني آدم ، وهذا إذا تؤمل لا خلاف فيه ؛ لأنه يمكن الجمع بينهما ، بأن يخرجوا من صلب آدم عليه الصلاة والسلام دفعة واحدة على وجه لو خرجوا على الترتيب كما أخرجوا إلى الدنيا ، ولا محال في هذا بأن يتفطر في تلك الآخذة الأبناء عن الأبناء من غير ترتيب زمان ، وتكون النسبتان معا [ ص: 828 ] صحيحتين في الحقيقة لا على المجاز .

والخامس : قول من قال فيما جاء في الحديث : أن رجلا قال : يا رسول الله نشدتك الله ! إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله ، فقال خصمه - وكان أفقه منه - : صدق اقض بيننا بكتاب الله ، وائذن لي في أن أتكلم ، ثم أتى بالحديث . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ، أما الوليدة والغنم فرد عليك ، وعلى ابنك هذا جلد مائة وتغريب عام ، وعلى امرأة هذا الرجم إلى آخر الحديث . هو مخالف لكتاب الله ، لأنه قد قال : لأقضين بينكما بكتاب الله حسبما سأله السائل ، ثم قضى بالرجم والتغريب ، وليس لهما ذكر في كتاب الله .

الجواب : إن الذي أوجب الإشكال في المسألة اللفظ المشترك في كتاب الله فكما يطلق على القرآن يطلق على ما كتب الله تعالى عنده مما هو حكمه وفرضه على العباد ، كان مسطورا في القرآن أولا ، كما قال تعالى : كتاب الله عليكم أي حكم الله فرضه ، وكل ما جاء في القرآن من قوله : كتاب الله عليكم فمعناه فرضه وحكم به ، ولا يلزم أن يوجد هذا الحكم في القرآن .

والسادس : قول من زعم أن قوله تعالى في الإماء : [ ص: 829 ] فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب لا يعقل مع ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ورجمت الأئمة بعده ، لأنه يقتضي أن الرجم ينتصف وهذا غير معقول ، فكيف يكون نصفه على الإماء ؟ ذهابا منهم إلى أن المحصنات هن ذوات الأزواج ، وليس كذلك ، بل المحصنات هنا المراد بهن الحرائر ، بدليل قوله أول الآية : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات وليس المراد هنا إلا الحرائر ، لأن ذوات الأزواج لا تنكح .

والسابع : قولهم : إن الحديث : جاء بأن المرأة لا تنكح على عمتها ، ولا على خالتها ، وأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب والله تعالى لما ذكر المحرمات لم يذكر من الرضاع إلا الأم والأخت ، ومن الجمع إلا الجمع بين الأختين ، وقال بعد ذلك : وأحل لكم ما وراء ذلكم فاقتضى أن المرأة تنكح على عمتها وعلى خالتها ، وإن كانت رضاعته سوى الأم والأخت حلالا .

وهذه الأشياء من باب تخصيص العموم لا تعارض فيه على حال .

والثامن : قول من قال : إن قوله عليه الصلاة والسلام : غسل الجمعة واجب على كل محتلم مخالف .

لقوله : من توضأ يوم [ ص: 830 ] الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل .

والمراد بالوجوب هنا التأكيد خاصة ، بحيث لا يكون تركا للفرض ، وبه يتفق معنى الحديثين فلا اختلاف .

والتاسع : قولهم جاء في الحديث :

صلة الرحم تزيد العمر والله تعالى يقول : إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون فكيف تزيد صلة الرحم في أجل لا يؤخر ولا يقدم ألبتة .

وأجيب عنه بأجوبة . ( منها ) : أن يكون في علم الله أن هذا الرجل إن وصل رحمه عاش مائة سنة ، وإلا عاش ثمانين سنة ، مع أن في علمه أنه يفعل بلا بد ، أو أنه لا يفعل أصلا .

وعلى كلا الوجهين إذا جاء أجله لا يستأخر ساعة ولا يستقدم . قاله ابن قتيبة وتبعه عليه القرافي . والعاشر : قال في الحديث : أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة ، ثم فيه : كان عليه الصلاة والسلام ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء ، وهذا تدافع [ ص: 831 ] والحديثان معا لعائشة - رضي الله عنها - .

والجواب سهل ؛ فالحديثان يدلان على أن الأمرين موسع فيهما ، لأنه إذا فعل أحد الأمرين وأكثر منه ، وفعل الآخر أيضا وأكثر منه على ما تقتضيه " كان يفعل " حصل منهما أنه كان يفعل ويترك ، وهذا شأن المستحب فلا تعارض بينهما .

فهذه عشرة أمثلة تبين لك مواقع الإشكال ، وإني رتبتها مع ثلج اليقين ، فإن الذي عليه كل موقن بالشريعة أنه لا تناقض فيها ولا اختلاف . فمن توهم ذلك فيها فهو لم يمعن النظر ولا أعطى وحي الله حقه . ولذلك قال الله تعالى : أفلا يتدبرون القرآن فحضهم على التدبر أولا ، ثم أعقبه : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فبين أنه لا اختلاف فيه وأن التدبر يعين على تصديق ما أخبر به .

التالي السابق


الخدمات العلمية