وأخبرنا
يحيى بن إبراهيم، حدثني
محمد بن عبيد الله الأديب، ثنا
محمود بن محمد، ثنا
عبد الله بن الهيثم، ثنا
الأصمعي، قال:
سمعت nindex.php?page=showalam&ids=12762ابن السماك، يقول لرجل: تبارك من خلقك فجعلك تبصر بشحم، وتسمع بعظم، وتتكلم بلحم.
قلنا: ثم إنا رأينا أشياء متضادة من شأنها التنافر والتباين والتفاسد مجموعة في بدن الإنسان وأبدان سائر الحيوان، وهي الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، فقلنا: إن جامعا جمعها وقهرها على الاجتماع وأقامها بلطفه، ولولا ذلك لتنافرت ولتفاسدت، ولو جاز أن تجتمع المتضادات، والمتنافرات، وتتقاوم من غير جامع يجمعها لجاز أن يجتمع الماء والنار، ويتقاوما من ذاتهما من غير جامع يجمعها ومقيم يقيمها، وهذا محال لا يتوهم، فثبت أن اجتماعها إنما كان بجامع قهرها على الاجتماع والالتئام وهو الله الواحد القهار .
وقد حكي عن
nindex.php?page=showalam&ids=13790الشافعي رحمه الله أنه احتج بقريب من هذا المعنى حين سأله
المريسي عن دلائل التوحيد في مجلس
الرشيد، واحتج أيضا بالآية التي ذكرناها في أول الباب وباختلاف الأصوات، قلنا: وقد بين الله تعالى في كتابه العزيز تحول أنفسنا من حالة إلى حالة وتغيرها؛ ليستدل بذلك على خالقها ومحولها، فقال:
ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا ، وقال:
[ ص: 43 ] ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ، فالإنسان إذا فكر في نفسه رآها مدبرة، وعلى أحوال شتى مصرفة، كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم لحما وعظما، فيعلم أنه لم ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال؛ لأنه لا يقدر أن يحدث لنفسه في الحال الأفضل التي هي كمال عقله وبلوغ أشده عضوا من الأعضاء، ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة، فيدله ذلك على أنه في حال نقصه وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز، وقد يرى نفسه شابا ثم كهلا ثم شيخا، وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى الشيخوخة والهرم، ولا اختاره لنفسه ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب ويراجع قوة الشباب، فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل هذه الأفعال بنفسه، وأن له صانعا صنعه، وناقلا نقله من حال إلى حال، ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل ولا مدبر، ثم يعلم أنه لا يتأتى الفعل المحكم المتقن ولا يوجد الأمر والنهي ممن لا حياة له، ولا علم، ولا قدرة، ولا إرادة، ولا سمع، ولا بصر، ولا كلام.
فيستدل بذلك على أن صانعه حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم، ثم يعلم استغناء المصنوع بصانع واحد، وعلو بعضهم على بعض، وما يدخل من الفساد في الخلق أن لو كان معه آلهة، فيستدل بذلك على أنه إله واحد لا شريك له كما قال عز من قائل:
ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون ،
[ ص: 44 ] وقال:
لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ، ثم يعلم أن صانع العالم لا يشبه شيئا من العالم؛ لأنه لو أشبه شيئا من المحدثات بجهة من الجهات لأشبهه في الحدوث من تلك الجهة، ومحال أن يكون القديم محدثا، أو يكون قديما من جهة حديثا من جهة؛ ولأنه يستحيل أن يكون الفاعل يفعل مثله، كالشاتم لا يكون شتما وقد فعل الشتم، والكاذب لا يكون كذبا وقد فعل الكذب؛ ولأنه يستحيل أن يكون شيئان مثلين يفعل أحدهما صاحبه؛ لأنه ليس أحد المثلين بأن يفعل صاحبه أولى من الآخر، وإذا كان كذلك لم يكن لأحدهما على الآخر مزية يستحق لأجلها أن يكون محدثا له؛ لأن هذا حكم المثلين فيما تماثلا فيه، وإذا كان كذلك استحال أن يكون الباري سبحانه مشبها للأشياء، فهو كما وصف نفسه
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وقال:
قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد .