صفحة جزء
589 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه قال: " ليس هذا الحديث مخالفا لشيء من الأخبار التي تقدمت وذلك أن الحنيف في اللغة: الاستواء والاستقامة ، ولذلك قيل للأحنف: أحنف تبركا به على الضد ، كما قيل للديغ: سليم ، وللمهلكة: مفازة ، والأسود: كافور ، وإذا كان الحنيف في اللغة الاستواء ثم قال: خلقت عبادي حنفاء صح أنه يقول: خلقت عبادي أصحاء مستويين فجاءتهم الشياطين ، فاجتالتهم عن دينهم ، أي عن دينهم الذي كنت علمته وقدرته وكتبت أنهم يتركونه في ذلك الوقت ، وإذا كان هذا هكذا صح أنه موافق لكل ما تقدم من الأخبار " قال: " وقد اختلف العلماء في الحنيف ، فقال مجاهد: الحنيف المتبع ، وقال الحسن والسدي والضحاك: حجاج ، وقال خصيف: مخلص. قال: ومن الدليل على أن الحنيف ليس بإسلام قوله عز وجل: ولكن كان حنيفا مسلما ففرق بين الحنيف والمسلم ، فإن قيل: فقد روي عن محمد بن إسحاق ، عن ثور بن زيد ، عن يحيى بن جابر ، عن عبد الرحمن بن عائذ ، عن عياض بن حمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خلقت آدم وبنيه حنفاء مسلمين. يقال له: هذا خبر فيه نظر ، لأن شعبة وسعيدا وهشاما وهماما ومعمرا رووا هذا الخبر خلاف ما رواه محمد بن إسحاق، مع أن محمد بن إسحاق كان يؤدي الأخبار على المعاني ، ثم لو صح خبره ولم يخالفه قتادة والحسن لكان لا يجوز ترك جملة الأخبار التي تقدمت بهذا الخبر ، ثم لو صح هذا الخبر لكان حجة لنا لأنه قال: خلقتهم مسلمين [ ص: 340 ] وزعم القدري أنه لم يخلقهم مسلمين ولا كافرين ، وأن هذا مستحيل ، ثم يحتمل أنه أراد بعض عبيده وبعض بني آدم لما تقدم من الآيات والأخبار التي دلت على أن الله عز وجل خلق بعضهم مؤمنين وبعضهم كافرين. قال: ونفس الخبر دال على ما قلنا ، وذلك أنه يقول: خلقتهم كلهم فاجتالتهم الشياطين عن دينهم ، وإنما اجتال الشياطين بعضهم لا كلهم ، لأنه لم يجتل الأنبياء ولا يحيى بن زكريا ، ولا الأطفال ، ولا المجانين ، فلما ثبت قوله: "اجتالتهم كلهم" يريد بعضهم ثبت أن قوله: "خلقهم كلهم" يريد بعضهم. فإن قال: ففي الخبر "خلقت عبادي" واسم العباد لا يقع على بعضهم. يقال له: اسم العباد قد يقع على بعضهم قال الله عز وجل: عينا يشرب بها عباد الله أراد بعض عباده ، وهم المؤمنون. قال: يا عباد لا خوف عليكم أراد بعض عباده ، وهم المؤمنون فكذلك قوله: "خلقت عبادي" أراد بعضهم لا كلهم " قال الشيخ وذهب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي إلى أن قوله: " خلقت عبادي حنفاء أراد به على الميثاق الأول وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى "

التالي السابق


الخدمات العلمية