صفحة جزء
( حفظ عقيدة أهل الحديث )

ثم إنه لم يزل في كل عصر من الأعصار إمام من سلف ، أو عالم من خلف ، قايم لله بحقه ، وناصح لدينه فيها ، يصرف همته إلى جمع اعتقاد أهل الحديث على سنن كتاب الله ورسوله وآثار صحابته ، ويجتهد في تصنيفه ، ويتعب نفسه في تهذيبه ؛ رغبة منه في إحياء سنته ، وتجديد شريعته ، وتطرية ذكرهما على أسماع المتمسكين بهما من أهل ملته ، أو لزجر غال في بدعته ، أو مستغرق يدعو إلى ضلالته ، أو مفتتن بجهالته لقلة بصيرته .

( بذل المؤلف جهده للتصنيف )

فأفرغت في ذلك جهدي ، وأتعبت فيه نفسي ؛ رجاء ثواب الله واستنجاز موعوده في استبصار جاهل ، واستنقاذ ضال ، وتقويم عادل ، وهداية حائر ، وأسأل الله التوفيق فيما أرويه ، والإقالة من الخطأ فيما أنحوه وأقصده .

[ ص: 28 ] ( سبب التأليف )

وقد كان تكررت مسألة أهل العلم إياي عودا وبدءا في ( شرح اعتقاد مذاهب أهل الحديث ) قدس الله أرواحهم ، وجعل ذكرنا لهم رحمة ومغفرة ، فأجبتهم إلى مسألتهم لما رأيت فيه من الفايدة الحاصلة ، والمنفعة السنية التامة ، وخاصة في هذه الأزمنة التي تناسى علماؤها رسوم ( مذاهب أهل السنة ) ، واشتغلوا عنها بما أحدثوا من العلوم الحديثة ، حتى ضاعت الأصول القديمة التي أسست عليها الشريعة ، وكان علماء السلف إليها يدعون ، وإلى طريقها يهدون ، وعليها يعولون ، فجددت هذه الطريقة لتعرف معانيها وحججها ، ولا يقتصر على سماع اسمها دون رسمها. ( منهج المؤلف وشرطه )

فابتدأت بشرح هذا الكتاب بعد أن تصفحت عامة كتب الأئمة الماضين - رضي الله عنهم أجمعين - وعرفت مذاهبهم وما سلكوا من الطرق في تصانيفهم ليعرفوا به المسلمين ، وما نقلوا من الحجج في هذه المسائل التي حدث الخلاف فيها بين أهل السنة وبين من انتسب إلى المسلمين ، ففصلت هذه المسائل ، وبينت في تراجمها أن تلك المسألة متى حدث في الإسلام الاختلاف فيها ، ومن الذي أحدثها [ ص: 29 ] وتقولها ؛ ليعرف حدوثها ، وأنه لا أصل لتلك المقالة في الصدر الأول من الصحابة ، ثم أستدل على صحة مذاهب أهل السنة بما ورد في كتاب الله تعالى فيها ، وبما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن وجدت فيهما جميعا ذكرتهما ، وإن وجدت في أحدهما دون الآخر ذكرته ، وإن لم أجد فيهما إلا عن الصحابة الذين أمر الله ورسوله أن يقتدى بهم ، ويهتدى بأقوالهم ، ويستضاء بأنوارهم ؛ لمشاهدتهم الوحي والتنزيل ، ومعرفتهم معاني التأويل ، احتججت بها ، فإن لم يكن فيها أثر عن صحابي فعن التابعين لهم بإحسان ، الذين في قولهم الشفاء والهدى ، والتدين بقولهم القربة إلى الله والزلفى ، فإذا رأيناهم قد أجمعوا على شيء عولنا عليه ، ومن أنكروا قوله أو ردوا عليه بدعته أو كفروه حكمنا به واعتقدناه .

ولم يزل من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا قوم يحفظون هذه الطريقة ويتدينون بها ، وإنما هلك من حاد عن هذه الطريقة لجهله طرق الاتباع .

وكان في الإسلام من يؤخذ عنه هذه الطريقة قوم معدودون ، أذكر أساميهم في ابتداء هذا الكتاب لتعرف أساميهم ، ويكثر الترحم عليهم والدعاء لهم ؛ لما حفظوا علينا هذه الطريقة ، وأرشدونا إلى سنن هذه الشريعة ، ولم آل جهدا في تصنيف هذا الكتاب ونظمه على سبيل " السنة والجماعة " ولم أسلك فيه طريق التعصب على أحد من الناس ؛ لأن من سلك طريق الأخيار فمن الميل بعيد ؛ لأن ما يتدين به شرع [ ص: 30 ] مقبول ، وأثر منقول ، أو حكاية عن إمام مقبول ، وإنما الحيف يقع في كلام من تكلف الاختراع ونصر الابتداع ، وأما من سلك بنفسه مسلك الاتباع فالهوى والإحادة عنه بعيدة ، ومن العصبية سليم ، وعلى طريق الحق مستقيم .

ونسأل الله دوام ما أنعم به علينا من اتباع السنة والجماعة وإتمامها علينا في ديننا ودنيانا وآخرتنا بفضله ورحمته ، إنه على ما يشاء قدير ، وبعباده لطيف خبير .

التالي السابق


الخدمات العلمية