صفحة جزء
[ ص: 228 ] سياق ما فسر من كتاب الله تعالى وما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وورد من لغة العرب على أن الاسم والمسمى واحد وأنه هو هو لا غيره .

قال الله تبارك وتعالى : سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق [ ص: 229 ] فسوى .

وقال تبارك وتعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها .

وقال تبارك وتعالى : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى .

وقال تعالى : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم .

وقال تعالى : فادعوه مخلصين له الدين .

وقال تعالى : فليعبدوا رب هذا البيت .

ولم يقل أحد من العقلاء : من اسمه رب هذا البيت ، ولا قال أحد : ادعوا الذي اسمه الله .

وقال تبارك وتعالى : فإياي فاعبدون .

[ ص: 230 ] وقال تعالى : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا .

ومن أعظم الشرك أن يقال : إن العبادة لاسمه ، واسمه مخلوق ، وقد أمر بالعبادة للمخلوق .

وهذا قول المعتزلة والنجارية وغيرهم من أهل البدع والكفر والضلالة .

وقال تبارك وتعالى : قل هو الله أحد .

وقد أجمع المسلمون على أن هو إشارة إليه وأن اسمه هو .

وقال تبارك وتعالى : فاذكروا اسم الله عليها صواف ، فأمر الله تبارك وتعالى أن يذكر اسمه على البدن حين نحرها للتقرب إليه .

وعلى مذهب المبتدعة لو ذكر اسم زيد أو عمرو أو اللات والعزى يجزيه ؛ لأن هذه الأسماء مخلوقة ، وأسماء الله عز وجل عندهم مخلوقة .

وقال في آية أخرى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه .

وفي موضع آخر : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه .

وقال تبارك وتعالى : تبارك اسم ربك . وقال في أخرى : [ ص: 231 ] فتبارك الله رب العالمين . وقال تبارك وتعالى : ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا . وقال تعالى : إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما .

وأجمع المسلمون أن المؤذن إذا قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، فإنه قد أتى بالتوحيد وأقر بالنبوة ، إلا المعتزلة فإنه يلزمهم أن يقولوا أشهد أن الذي اسمه الله لا إله إلا هو ، وأشهد أن الذي اسمه محمد رسول الله .

وهذا خلاف ما وردت به الشريعة ، وخلاف ما عليه المسلمون .

وكذلك هذه الأيمان التي بالله تبارك وتعالى كلها عندهم يجب أن تكون مخلوقة ، والناس يحلفون بالمخلوق دون الخالق ؛ لأن الاسم غير المسمى ، والاسم مخلوق عندهم وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في دعائه : " باسمك اللهم أحيا وأموت " .

وكان يستشفي للمرضى بقوله : " أعيذك بكلمات الله التامة " وكان يعوذ بها حسنا وحسينا .

وجبريل حين اشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عوذه بها . ثم قول الناس في الأدعية : اللهم اغفر لي وارحمني معناه عندهم من اسمه اللهم [ ص: 232 ] الذي هو مخلوق اغفر لي .

وهذا كفر بالله ، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وإجماع المسلمين ، ولغة العرب والعرف والعادة . فأما لغة العرب فعن الأصمعي ، وعن أبي عبيدة معمر بن المثنى : إذا رأيت الرجل يقول : الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة . وعن خلف بن هشام البزار المقرئ أنه قال : من قال : إن أسماء الله مخلوقة ، فكفره عندي أوضح من هذه الشمس .

ومن الأئمة الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، ونعيم بن حماد ، ومحمد بن أسلم الطوسي ، ومحمد بن جرير الطبري .

335 - أخبرنا أحمد بن عبيد الواسطي قال : أخبرنا علي بن عبد الله بن مبشر قال : حدثنا أحمد بن سنان قال : حدثنا وكيع بن الجراح قال : حدثنا سفيان \ح\

وأخبرنا أحمد قال : حدثنا علي قال : حدثنا أحمد قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أوى إلى فراشه قال : " اللهم باسمك أموت وأحيا " . وإذا استيقظ قال : " الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور " .

[ ص: 233 ] أخرجه البخاري ومسلم ، ولفظهما سواء .

297 أخبرنا عبيد الله بن أحمد قال : أخبرنا الحسين بن إسماعيل قال : حدثنا يوسف بن موسى قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوذ حسنا وحسينا : " أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة " . وكان يقول : " كما كان أبوكما يعوذ به إسماعيل وإسحاق " . أخرجه البخاري .

338 - أخبرنا محمد بن علي بن النضر قال : أخبرنا الحسين بن إسماعيل قال : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح قال : حدثنا عبيدة بن حميد ، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن كريب ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما إن أحدكم لو يقول وهو يجامع : بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ، ثم قضي [ ص: 234 ] بينهما بولد ؛ لم يضره الشيطان أبدا " . أخرجه البخاري ومسلم .

339 - أخبرنا أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني قال : أخبرنا عبد الله بن محمد بن زياد قال : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال : حدثنا ابن وهب قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، وأبيه الحارث بن يعقوب ، حدثاه عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج ، عن القعقاع بن حكيم ، عن ذكوان ، عن أبي هريرة ، أنه قال : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة . فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما إنك لو قلت حين أمسيت : أعوذ بكلمات الله من شر ما خلق ، لم يضرك " . أخرجه مسلم .

340 - أخبرنا أحمد بن محمد بن عروة قال : حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد قال : حدثنا عبد الله بن عمران العابدي قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى رقاه جبريل ، فقال : بسم الله أبريك من كل داء يشفيك ، من شر كل ذي عين ، ومن شر كل حاسد إذا حسد .

[ ص: 235 ] أخرجه مسلم .

341 - أخبرنا محمد بن عبد الله الجعفي قال : أخبرنا محمد بن علي بن دحيم قال : حدثنا أحمد بن حازم قال : حدثنا مسدد ، وأبو معمر قالا : حدثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد أن جبريل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : اشتكيت يا محمد ؟ فقال : " نعم " . فقال : بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ، ومن شر كل نفس وعين ، الله يشفيك ، بسم الله أرقيك . أخرجه مسلم .

342 - ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم قال : حدثنا أبو زرعة ، يعني الرازي قال : حدثنا إبراهيم بن زياد ولقبه سبلان قال : حدثنا عباد بن عباد قال : حدثنا مجالد ، عن أبي الوداك ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لتضربن مضر عباد الله حتى لا يعبد لله اسم " .

[ ص: 236 ] 343 - أخبرنا علي بن محمد بن عمر قال : أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال : حدثنا الربيع بن سليمان المرادي بمصر في أول لقية لقيته في مسجد الجامع ، فسألته عن هذه الحكاية ، وذلك أني كنت كتبتها عن أبي بكر بن القاسم عنه قبل خروجي إلى مصر ، فحدثني الربيع بن سليمان قال : سمعت الشافعي يقول : من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة ؛ لأن اسم الله غير مخلوق ، ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة فليس عليه الكفارة ؛ لأنه مخلوق ، وذلك غير مخلوق .

344 - وأخبرنا عبيد الله بن محمد بن أحمد قال : أخبرنا علي بن إبراهيم بن عيسى المستملي قال : حدثنا أبو نعيم الجرجاني قال : حدثنا الربيع قال : قال الشافعي : من حلف بالله أو باسم من أسماء الله فعليه الكفارة .

345 - أخبرنا الحسين بن أحمد بن إبراهيم الطبري قال : حدثنا إبراهيم بن أحمد الميلي قال : حدثنا محمد بن يحيى بن آدم قال : حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن طريف قال : حدثنا أبو حاتم يحيى بن زكريا الأموي قال : حدثنا محمد بن إدريس الشافعي قال : حدثني بعض أصحابنا قال : اختصم رجلان مسلم ويهودي إلى عيسى بن أبان وكان قاضي البصرة ، وكان يرى رأي القوم ، فصارت اليمين على المسلم ، فقال له اليهودي : حلفه . فقال : احلف بالله الذي لا إله إلا هو .

[ ص: 237 ] قال اليهودي للقاضي : إنك تزعم أن القرآن مخلوق ، والله الذي لا إله إلا هو في القرآن ، فحلفه لي بالخالق لا بالمخلوق .

فتحير عيسى عنده وقال : قوما حتى أنظر في أمركما .

346 - أخبرنا محمد بن الحسين الفارسي قال ، حدثنا حبشون بن موسى قال : حدثنا حفص بن عمر قال : سمعت أبا سعيد الأصمعي : \ح\

347 - وأخبرنا علي بن محمد بن إبراهيم الجوهري قال : حدثنا الحسين بن إدريس القافلاني قال : حدثنا حفص بن عمر السياري قال : سمعت أبا سعيد الأصمعي يقول : إذا سمعته يقول : الاسم غير المسمى ، فاحكم - أو قال فاشهد - عليه بالزندقة . لفظهما سواء .

348 - أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران ، عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني قال : من زعم أن الاسم غير المسمى فقد زعم أن الله غير الله ، وأبطل في ذلك ؛ لأن الاسم غير المسمى في المخلوقين ؛ لأن الرجل يسمى محمودا وهو مذموم ، ويسمى قاسما ولم يقسم شيئا قط ، وإنما الله جل ثناؤه واسمه منه ولا نقول : اسمه هو ، بل نقول : اسمه منه ، فإن قال قائل : إن اسمه ليس منه ، فإنه قال : إن الله مجهول !! [ ص: 238 ] فإن قال : إن له اسما وليس به فقال : إن مع الله ثان .

349 - ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم قال : ذكر الفضل بن شاذان المقرئ الرازي قال : حدثنا الحسن بن محمد الكندي قال : قرأت على أبي عبيدة معمر بن المثنى البصري قال : بسم الله إنما هو الله ؛ لأن اسم الشيء هو الشيء ، قال لبيد : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر .

350 - أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله قال : حدثنا عثمان بن أحمد قال : حدثنا الحسن بن عبد الوهاب قال : حدثني أبو بكر بن حماد قال : سمعت خلف بن هشام فيمن قال : الاسم غير المسمى ، وهو ينكر ذلك أشد النكرة ويقول : لو أن رجلا شتم رجلا على قول من قال هذه المقالة ، لم يلزمه شيء يقول : إنما شتمت الاسم ، ولو أن رجلا حلف بالله على مال رجل ، لم يلزمه في كلامه حنث على قول من قال هذه المقالة ، ويقول : إنما حلفت بالاسم فلم أحلف بالمسمى . ورأيت ؟ يدور أمر الإسلام على هذا الاسم ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا [ ص: 239 ] لا إله إلا الله " .

أرأيت الوضوء حين يبدأ فيه الإنسان يقول : بسم الله ، فإذا فرغ قال : سبحانك اللهم ؟ .

ورأيت الأذان أوله الله أكبر ولا يزال يردد : أشهد أن لا إله إلا الله ؟ ثم رأيت الصلاة حين يفتتح بقوله : الله أكبر لا يزال في ذلك حتى يختم بقوله : السلام عليكم ورحمة الله ، فأولها وآخرها الله . ورأيت الحج لبيك اللهم لبيك . ورأيت الذبيحة : بسم الله .

ورأيت أمر الإسلام يدور على هذا الاسم ؟ فمن زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر ، وكفره عندي أوضح من هذه الشمس .

351 - أخبرنا أحمد بن محمد قال : أخبرنا عمر بن أحمد المروزي قال : حدثنا أحمد بن محمد بن محمد الباغندي قال : حدثنا إبراهيم بن هانئ قال : سمعت أحمد بن حنبل ، وهو مختف عندي - [ ص: 240 ] فسألته عن القرآن فقال : من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر .

352 - ذكره عبد الرحمن ، حدثنا أحمد بن سلمة قال : حدثنا إسحاق بن راهويه قال : أفضوا إلى أن قالوا : أسماء الله مخلوقة ؛ لأنه كان ولا اسم ، وهذا الكفر المحض لأن لله الأسماء الحسنى ، فمن فرق بين الله وبين أسمائه وبين علمه ومشيئته فجعل ذلك مخلوقا كله والله خالقها ؛ فقد كفر .

ولله - عز وجل - تسعة وتسعون اسما ، صح ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قاله ، ولقد تكلم بعض من ينسب إلى جهم بالأمر العظيم فقال : لو قلت : إن للرب تسعة وتسعين اسما لعبدت تسعة وتسعين إلها ، حتى إنه قال : إني لا أعبد الله الواحد والصمد ، إنما أعبد المراد به . فأي كلام أشد فرية وأعظم من هذا أن ينطق الرجل أن يقول : لا أعبد الله ؟ .

353 - ذكره عبد الرحمن قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي قال : سمعت إسحاق بن داود الشعراني يذكر أنه عرض على محمد بن أسلم كلام رجل تكلم في القرآن ، فقال محمد بن أسلم : أما أسماء الله التي قد ذكرها فإنها كلها أسماؤه ، فإذا قال الإنسان : نعبد الله ، فإنما يعني الاسم والمعنى شيئا واحدا ، فهو موحد .

التالي السابق


الخدمات العلمية