معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول

الحكمي - حافظ بن أحمد الحكمي

صفحة جزء
دخول الوثنية إلى بلاد العرب على يد عمرو بن لحي الخزاعي

وتفسير ذلك ما ذكره الكلبي حيث قال : وكان عمرو بن لحي كاهنا وله رئي من الجن فقال له : عجل السير والظعن من تهامة ، بالسعد والسلامة ، إئت جدة ، تجد فيها أصناما معدة ، فأوردها تهامة ولا تهب ، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب . فأتى نهر جدة فاستثارها ثم حملها حتى ورد تهامة وحضر الحج فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة فأجابه عوف بن عدن بن زيد اللات فدفع إليه ودا [ ص: 464 ] فحمله . فكان بوادي القرى بدومة الجندل ، وسمى ابنه عبد ود فهو أول من سمي به ، وجعل عوف ابنه عامرا سادنا له ، فلم يزل بنوه يسدنونه حتى جاء الله بالإسلام . قال الكلبي : فحدثني مالك بن حارثة أنه رأى ودا . قال : وكان أبي يبعثني باللبن إليه فيقول : اسقه إلهك فأشربه . قال : ثم رأيت خالد بن الوليد رضي الله عنه كسره فجعله جذاذا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد لهدمه فحالت بينه وبين هدمه بنو عذرة وبنو عامر فقاتلهم فقتلهم وهدمه وكسره . قال الكلبي : فقلت لمالك بن حارثة صف لي ودا كأني أنظر إليه ؟ قال : كان ثمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال ، قد دبر - أي نقش - عليه حلتان متزر بحلة مرتد بأخرى ، عليه سيف قد تقلده وقد تنكب قوسا وبين يديه حربة فيها لواء وقبضة فيها نبل بغير جعبة . وأجابت عمرو بن لحي مضر بن نزار فدفع إلى رجل من هذيل يقال له الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر سواعا فكان بأرض يقال لها وهاط من بطن نخلة يعبده من يليه من مضر ، وفي ذلك يقول رجل من العرب :

تراهم حول قبلتهم عكوفا كما عكفت هذيل على سواع

.

وأجابته مذحج فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادي يغوث ، وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها ، وأجابته همدان فدفع إلى مالك بن زيد بن جشم يعوق ، فكان بقرية يقال لها خيوان فعبدته همدان ومن والاها من اليمن ، وأجابته حمير فدفع إلى رجل من ذي رعين يقال له معدي كرب نسرا ، فكان بموضع من أرض سبأ يقال له بلخع تعبده حمير ومن والاها فلم يزل يعبدونه حتى هودهم ذو نواس ، فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم فهدمها وكسرها . وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار . وكان أول من سيب السوائب " . [ ص: 465 ] وفي لفظ : " وغير دين إبراهيم " . وروى ابن إسحاق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجوف الخزاعي : " يا أكثم ، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار ، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا بك منه " . فقال أكثم : عسى ألا يضرني شبهه يا رسول الله . قال : " لا . إنك مؤمن وهو كافر ، إنه كان أول من غير دين إسماعيل ، فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة وحمى الحامي " . قال ابن هشام : حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره ، فلما قدم مآب من أرض البلقاء - وبها يومئذ العماليق وهم ولد عملاق ويقال عمليق بن لاوذ بن سام - بن نوح رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له : هذه الأصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا . فقال لهم : أفلا تعطونني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه ؟ فأعطوه صنما يقال له هبل ، فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه . وقال ابن إسحاق : واتخذوا إسافا ونائلة على موضع زمزم ينحرون عندهما ، وكان إساف ونائلة رجلا وامرأة من جرهم هو إساف بن بغي ، ونائلة بنت ديك فوقع إساف على نائلة في الكعبة فمسخهما الله حجرين . قال : وقال أبو طالب :

وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم     بمفضي السيول من إساف ونائل



واتخذوا حول الكعبة نحو ثلاثمائة وستين صنما . قال ابن إسحاق : وكان لخولان صنم يقال له : عم أنس بأرض خولان يقسمون له من أموالهم ومن أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين الله بزعمهم ، فما دخل في حق عم أنس من حق الله [ ص: 466 ] تعالى الذي سموه له تركوه له ، وما دخل في حق الله تعالى من حق عم أنس ردوه عليه . وهم بطن من خولان يقال لهم الأديم ، وفيهم أنزل الله تبارك وتعالى فيما يذكرون : ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ) ( الأنعام : 136 ) قال : وكان لبني ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر صنم يقال له سعد ، صخرة بفلاة من أرضهم طويلة ، فأقبل رجل من بني ملكان بإبل له مؤبلة ليقفها عليه التماس بركته فيما يزعم ، فلما رأته الإبل - وكانت مرعية لا تركب ، وكان يهراق عليه الدماء - نفرت منه فذهبت في كل وجه ، وغضب ربها الملكاني فأخذ حجرا فرماه به وقال : لا بارك الله فيك نفرت علي إبلي . ثم خرج في طلبها حتى جمعها فلما اجتمعت له قال :

أتينا إلى سعد ليجمع شملنا     فشتتنا سعد فلا نحن من سعد
وهل سعد الا صخرة بتنوفة     من الأرض لا تدعو لغي ولا رشد



وكان لدوس صنم لعمرو بن حممة الدوسي . قال : وكان لقريش وبني كنانة العزى بنخلة ، وكانت سدنتها وحجابها بنو شيبان من سليم حلفاء أبي طالب . قلت : فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه فهدمها . قال : وكانت اللات لثقيف بالطائف ، وكان سدنتها وحجابها بني معتب من ثقيف . قال : وكان مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد ، وقال ابن هشام : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها أبا سفيان بن حرب رضي الله عنه فهدمها ، ويقال : علي بن أبي طالب رضي الله عنه . قال ابن إسحاق : وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة ، فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه فهدمها . [ ص: 467 ] قال : وكانت قلس لطيء ومن يليها بجبل طيء بين سلمى وأجأ ، قال ابن هشام : فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليها علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهدمها ، فوجد فيها سيفين يقال لأحدهما الرسوب وللآخر المخذم ، فوهبهما له ، فهما سيفاعلي رضي الله عنه . قال : وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له رئام . قال : وكانت رضاء بيتا لبني ربيعة بن كعب ، وفيها يقول المستوغر بن ربيعة حين هدمها في الإسلام :

ولقد شددت على رضاء شدة     فتركتها قفرا بقاع أسحما



وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل وإياد بسنداد ، وله يقول أعشى بني قيس :

بين الخورنق والسدير وبارق     والبيت ذي الشرفات من سنداد

.

قال ابن إسحاق وكان عمرو بن الجموح سيدا من سادات بني سلمة وشريفا من أشرافهم ، وكان قد اتخذ في داره صنما من خشب يقال له مناة ، فلما أسلم فتيان بني سلمة - معاذ بن جبل وابنه معاذ بن عمرو بن الجموح وغيرهم - ممن أسلم وشهد العقبة ، وكانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة ، وفيها عذرات الناس منكسا على رأسه ، فإذا أصبح عمرو قال : ويلكم من عدا على آلهتنا هذه الليلة ؟ قال : ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه ثم قال : والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزيته . فإذا أمسى ونام غدوا ففعلوا بصنمه مثل ذلك ، فيغدوا يلتمسه فيجد به مثل ما كان فيه من الأذى فيغسله ويطهره ويطيبه ، فيغدون عليه إذا أمسى فيفعلون به ذلك ، فلما طال عليه استخرجه من حيث ألقوه فغسله وطهره وطيبه ، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال له : والله لا أعلم من يصنع بك ما ترى فإن كان فيك [ ص: 468 ] خير فامتنع فهذا السيف معك . فلما أمسى ونام غدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر الناس ، وغدا عمرو فلم يجده في مكانه الذي كان به ، فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت ، فلما رآه أبصر شأنه وكلمه من أسلم من قومه فأسلم وحسن إسلامه ، فقال حين أسلم وعرف من الله ما عرف وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره ، وشكر الله إذ أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة :

والله لو كنت إلها لم تكن     أنت وكلب وسط بئر في قرن
أف لملقاك إلها مستدن     تهان أو تسئل عن سوء الغبن
الحمد لله العلي ذي المنن     الواهب الرزاق ديان الدين
هو الذي أنقذني من قبل أن     أكون في ظلمة قبر مرتهن



قال ابن إسحاق : واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه ، فإذا أراد رجل منهم سفرا تمسح به فيكون آخر عهده وأول عهده ، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوحيد قالت قريش : ( أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ) ( ص : 5 ) وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت ، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة ، لها سدنة وحجاب ويهدى لها كما يهدى للكعبة ، ويطاف بها كما يطاف بالكعبة ، وينحر عندها كما ينحر عند الكعبة ، وكان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربا وجعل الثلاثة أثافي لقدره ، فإذا ارتحل تركه ، فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك .

وقال أبو رجاء العطاردي : لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم فسمعنا به ، سمعنا بمسيلمة الكذاب فلحقنا بالنار ، قال : وكنا نعبد الحجر في الجاهلية ، فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه نلقي ذاك ونأخذه ، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب ثم جئنا [ ص: 469 ] بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا به . قال : وكنا نعمد إلى الرمل فنجمعه ونحلب عليه فنعبده ، وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانا ثم نلقيه .

وقال أبو عثمان النهدي : كنا في الجاهلية نعبد حجرا فسمعنا مناديا ينادي : يا أهل الرحال ، إن ربكم قد هلك فالتمسوا ربا . قال : فخرجنا على كل صعب وذلول ، فبينما نحن كذلك نطلبه إذا نحن بمناد ينادي : إنا قد وجدنا ربكم أو شبهه ، فإذا حجر فنحرنا عليه الجزور . وقال عمرو بن عبسة : كنت ممن يعبد الحجارة فينزل الحي ليس معهم إله فيخرج الرجل منهم فيأتي بأربعة أحجار فينصب ثلاثة لقدره ويجعل أحسنها إلها يعبده ، ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره .

ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنما ، فجعل يطعن بنشبة قوسه في وجوهها وعيونها ويقول : " جاء الحق وزهق الباطل " وهي تتساقط على وجوهها ، ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت .

التالي السابق


الخدمات العلمية