معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول

الحكمي - حافظ بن أحمد الحكمي

صفحة جزء
[ الشرك الأصغر ]


والثان شرك أصغر وهو الريا فسره به ختام الأنبيا



( و ) النوع ( الثان ) من نوعي الشرك ( شرك أصغر ) لا يخرج من الملة ، ولكنه ينقص ثواب العمل وقد يحبطه إذا زاد وغلب ( وهو الريا ) اليسير في تحسين العمل ( فسره به ) ; أي فسر الشرك الأصغر بالريا ختام الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم في قوله : " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " . قالوا : يا رسول الله ، وما الشرك الأصغر ؟ قال : " الرياء " . وبذلك فسر قول الله عز وجل : ( فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) ( الكهف : 110 ) .

وعن شهر بن حوشب قال : جاء رجل إلى عبادة بن الصامت فقال : أنبئني عما أسألك عنه ، أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد ، ويصوم يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد ، ويتصدق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد ، ويحج يبتغي [ ص: 490 ] وجه الله ويحب أن يحمد . فقال عبادة : ليس له شيء ، إن الله تعالى يقول : أنا خير شريك ، فمن كان له معي شرك فهو له كله لا حاجة لي فيه " .

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي ؟ " قال : قلنا بلى . قال : " الشرك الخفي ; أن يقوم الرجل يصلي لمقام الرجل " رواه أحمد . وفيه رواية : " يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه " . وله عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال : إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من الشهوة الخفية والشرك " فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء : اللهم غفرا ، ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب ؟ أما الشهوة الخفية فقد عرفناها هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها ، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد ؟ فقال شداد : أرأيتكم لو رأيتم رجلا يصلي لرجل أو يصوم لرجل أو يتصدق أترون أنه قد أشرك ؟ قالوا : نعم والله ، إن من صلى لرجل أو صام أو تصدق له لقد أشرك . فقال شداد : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من صلى يرائي فقد أشرك ، ومن صام يرائي فقد أشرك ، ومن تصدق يرائي فقد أشرك " . قال عوف بن مالك عند ذلك : أفلا يعمد الله إلى ما ابتغي به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل ما خلص منه ويدع ما أشرك به ؟ فقال شداد عند ذلك : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله تعالى يقول : أنا خير قسيم لمن أشرك بي ، من أشرك بي شيئا فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به ، أنا عنه غني " .

وله عنه رضي الله عنه أنه بكى فقيل : ما يبكيك ؟ قال : شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبكاني ، سمعت رسول الله يقول : " أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية " . قلت : يا رسول الله ، أتشرك [ ص: 491 ] أمتك من بعدك ؟ قال : " نعم ، أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا ، ولكن يراءون بأعمالهم . والشهوة الخفية ، أن يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه " ورواه ابن ماجه .

وللبزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله يوم القيامة : أنا خير شريك ، من أشرك بي أحدا فهو له كله " . ولأحمد عنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن الله عز وجل أنه قال : " أنا خير الشركاء ، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا بريء منه ، وهو للذي أشرك " . وله عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : " الرياء . يقول الله يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء " .

وله عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري - وكان من الصحابة - أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ، نادى مناد : من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا ، فليطلب ثوابه من عند غير الله ، فإن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك " أخرجه الترمذي وابن ماجه . ولأحمد عن أبي بكرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سمع سمع الله به ومن راءى [ ص: 492 ] راءى الله به " . وله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من يرائي يرائي الله به ، ومن يسمع يسمع الله به . وله عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من سمع الناس بعلمه سمع الله به مسامع خلقه وصغره وحقره " فذرفت عينا عبد الله .

وللبزار عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة في صحف مختمة ، فيقول الله : ألقوا هذا واقبلوا هذا . فتقول الملائكة : يا رب ، والله ما رأينا منه إلا خيرا . فيقول : إن عمله كان لغير وجهي ، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي " . ولوهب عن عبد الله بن قيس الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قام رياء وسمعة لم يزل في مقت الله حتى يجلس " . ولأبي يعلى عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو فتلك استهانة استهان بها ربه عز وجل " .

التالي السابق


الخدمات العلمية