معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول

الحكمي - حافظ بن أحمد الحكمي

صفحة جزء
بدء الوحي .

( بعد أربعين ) سنة من عمره - صلى الله عليه وسلم - ( بدأ الوحي ) من الله - عز وجل - إليه ( به ) - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربعة من القوم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير أزهر اللون ليس بأبيض أمهق ولا آدم ليس بجعد قطط ولا سبط رجل بعثه الله على رأس أربعين سنة ، فأقام بمكة عشر سنين . الحديث .

[ ص: 1053 ] وكيفية بدء الوحي ما ذكره البخاري - رحمه الله تعالى - قال : حدثنا يحيى بن بكير قال ، حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم . فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ قال : ما أنا بقارئ قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ ، قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ . فأخذني فغطني الثالثة ، ثم أرسلني فقال : " اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم " ( العلق 1 - 3 ) فرجع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال : زملوني ، زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي . فقالت خديجة : كلا والله ما يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق . فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي . فقالت له خديجة : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك . فقال له ورقة يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر ما رأى . فقال له ورقة : هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى . يا ليتني فيها جذعا . ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أومخرجي هم ؟ قال : نعم . لم . يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي . وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا . ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي قال ابن شهاب وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة الوحي [ ص: 1054 ] فقال في حديثه " بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فرعبت منه فرجعت فقلت : زملوني ، زملوني فأنزل الله تعالى ( يا أيها المدثر قم فأنذر ) إلى قوله ( والرجز فاهجر ) ( المدثر 1 - 5 ) فحمي الوحي وتتابع " . تابعه عبد الله بن يوسف وأبو صالح وتابعه هلال بن رداد عن الزهري وقال يونس ومعمر " بوادره .

حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا أبو عوانة قال ، حدثنا موسى بن أبي عائشة قال ، حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى ( لا تحرك به لسانك لتعجل به ) ( القيامة 16 ) قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه فقال ابن عباس : فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحركهما وقال : سعيد أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما ، فحرك شفتيه فأنزل الله تعالى ( لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه ) ( القيامة 16 - 17 ) .

قال جمعه لك في صدرك وتقرأه ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) ( القيامة 18 ) قال فاستمع له وأنصت ( ثم إن علينا بيانه ) ( القيامة 19 ) ثم إن علينا أن تقرأه وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قرأه
.

وقال - رحمه الله تعالى : حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول [ ص: 1055 ] قالت عائشة رضي الله عنها ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا .

التالي السابق


الخدمات العلمية