معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول

الحكمي - حافظ بن أحمد الحكمي

صفحة جزء
واختلف العلماء في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : من أحصاها ، فقال البخاري وغيره من المحققين : معناه حفظها ، وأن إحدى الروايتين مفسرة للأخرى . وقال الخطابي : يحتمل وجوها :

أحدها : أن يعدها حتى يستوفيها ، بمعنى أن لا يقتصر على بعضها فيدعو الله بها كلها ، ويثني عليه بجميعها ، فيستوجب الموعود عليها من الثواب .

وثانيها : المراد بالإحصاء الإطاقة ، والمعنى : من أطاق القيام بحق هذه الأسماء والعمل بمقتضاها ، وهو أن يعتبر معانيها ، فيلزم نفسه بمواجبها ، فإذا قال الرزاق ، وثق بالرزق ، وكذا سائر الأسماء .

ثالثها : المراد بها الإحاطة بجميع معانيها ، وقيل أحصاها عمل بها ، فإذا قال الحكيم ، سلم لجميع أوامره وأقداره ، وأنها جميعها على مقتضى الحكمة ، وإذا قال القدوس ، استحضر كونه مقدسا منزها عن جميع النقائض ، واختاره أبو الوفاء بن عقيل ، وقال ابن بطال : طريق العمل بها أن ما كان يسوغ الاقتداء به كالرحيم والكريم فيمرن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها ، يعني فيما يقوم به ، وما كان يختص به نفسه كالجبار والعظيم ، فعلى العبد الإقرار بها والخضوع لها وعدم التحلي بصفة منها ، وما كان فيه معنى الوعد ، يقف فيه عند الطمع والرغبة ، وما كان فيه معنى الوعيد ، يقف منه عند الخشية والرهبة ا هـ .

والظاهر أن معنى حفظها وأحصاها هو معرفتها والقيام بعبوديتها ، كما أن القرآن لا ينفع حفظ ألفاظه من لا يعمل به ، بل جاء في المراق من الدين أنهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم .

[ ص: 126 ] وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى - بعد كلام طويل على أولوية الله - تعالى - وما في ذلك الشهود من الغنى التام ، قال : وليس هذا مختصا بأوليته - تعالى - فقط ، بل جميع ما يبدو للقلوب من صفات الرب - سبحانه - يستغني العبد بها بقدر حظه وقسمه من معرفتها وقيامه بعبوديتها ، فمن شهد مشهد علو الله - تعالى - على خلقه وفوقيته لعباده واستوائه على عرشه ، كما أخبر بها أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق ، وتعبد بمقتضى هذه الصفة ، بحيث يصير لقلبه صمد يعرج إليه مناجيا له مطرقا واقفا بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز ، فيشعر بأن كلمه وعلمه صاعد إليه معروض عليه مع أوفى خاصته وأوليائه ، فيستحي أن يصعد إليه من كلمه ما يخزيه ويفضحه هناك ، ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والتصرف من الإماتة والإحياء ، والتولية والعزل ، والخفض والرفع ، والعطاء والمنع ، وكشف البلاء وإرساله ، وتقلب الدول ومداولة الأيام بين الناس ، إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه ، فمراسيمه نافذة فيها كما يشاء : ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) ، ( السجدة : 5 ) .

فمن أعطى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية ، استغنى به ، وكذلك من شهد مشهد العلم المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماوات ، ولا في قرار البحار ، ولا تحت أطباق الجبال ، بل أحاط بذلك علمه علما تفصيليا ، ثم تعبد بمقتضى هذا الشهود من حراسة خواطره وإرادته ، وجميع أحواله وعزماته وجوارحه ، علم أن حركاته الظاهرة والباطنة ، وخواطره وإرادته ، وجميع أحواله ظاهرة مكشوفة لديه علانية ، بادية لا يخفى عليه منها شيء ، وكذلك إذا أشعر قلبه صفة سمعه - سبحانه - لأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها ، وسواء عنده من أسر القول ومن جهر به ، لا يشغله جهر من جهر عن سمعه صوت من أسر ، ولا يشغله سمع عن سمع ، ولا تغلطه الأصوات على كثرتها واختلافها واجتماعها ، فهي عنده كلها كصوت واحد ، كما أن خلق الخلق جميعهم وبعثهم عنده بمنزلة نفس واحدة ، وكذلك إذا شهد معنى اسمه البصير - جل جلاله - الذي يرى دبيب النملة السوداء ، على الصخرة الصماء ، في حندس الظلماء ، ويرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة ، ومخها وعروقها ولحمها وحركتها ، ويرى مد البعوضة [ ص: 127 ] جناحها في ظلمة الليل ، وأعطى هذا المشهد حقه من العبودية بحرس حركاته وسكناته ، وتيقن أنها بمرأى منه سبحانه ، ومشاهدة لا يغيب عنه منها شيء .

وكذلك إذا شهد مشهد القيومية ، الجامع لصفات الأفعال ، وأنه قائم على كل شيء ، وقائم على كل نفس بما كسبت ، وأنه - تعالى - هو القائم بنفسه ، المقيم لغيره ، القائم عليه بتدبيره وربوبيته وقهره وإيصال جزاء المحسن وجزاء المسيء إليه ، وأنه بكامل قيوميته لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل ، لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يضل ولا ينسى .

وهذا المشهد من أرفع مشاهد العارفين ، وهو مشهد الربوبية ، وأعلى منه مشهد الإلهية الذي هو مشهد الرسل وأتباعهم الحنفاء ، وهو شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن إلهية ما سواه باطل ومحال ، كما أن ربوبية ما سواه كذلك ، فلا أحد سواه يستحق أن يؤله ويعبد ، ويصلى له ويسجد ، ويستحق نهاية الحب مع نهاية الذل ; لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله ، فهو المطاع وحده على الحقيقة ، والمألوه وحده ، وله الحكم فكل عبودية لغيره باطلة وعناء وضلال ، وكل محبة لغيره عذاب لصاحبها ، وكل غنى بغيره فقر وفاقة ، وكل عز بغيره ذل وصغار ، وكل تكثر بغيره قلة وذلة .

فكما استحال أن يكون للخلق رب غيره ، فكذلك استحال أن يكون لهم إله غيره ، فهو الذي انتهت إليه الرغبات ، وتوجهت نحوه الطلبات ، ويستحيل أن يكون معه إله آخر ، فإن الإله على الحقيقة هو الغني الصمد الكامل في أسمائه وصفاته الذي حاجة كل أحد إليه ، ولا حاجة به إلى أحد ، وقيام كل شيء به ، وليس قيامه بغيره ، إلى أن قال : فمشهد الألوهية هو مشهد الحنفاء ، وهو مشهد جامع للأسماء والصفات ، وحظ العباد منه بحسب حظهم من معرفة الأسماء والصفات ، ولذلك كان الاسم الدال على هذا المعنى هو اسم الله - جل جلاله - فإن هذا الاسم هو الجامع ، ولهذا تضاف الأسماء الحسنى كلها إليه ، فيقال الرحمن الرحيم العزيز الغفار القهار من أسماء الله ، ولا يقال الله من أسماء الرحمن ، قال الله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى ) ، فهذا المشهد تجتمع فيه المشاهد كلها وكل مشهد سواه ، فإنما هو مشهد لصفة من صفاته ، فمن اتسع قلبه لمشهد الإلهية وقام بحقه من التعبد الذي هو كمال الحب مع كمال الذل والتعظيم والقيام بوظائف العبودية ، فقد تم له غناه بالإله الحق ، وصار [ ص: 128 ] من أغنى العباد ، ولسان مثل هذا يقول :


غنيت بلا مال عن الناس كلهم وإن الغنى العالي عن الشيء لا به

ا هـ .

التالي السابق


الخدمات العلمية