مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

صفحة جزء
[ ص: 15 ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله ، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بعثه الله تعالى بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا وأقام به الملة العوجاء بأن قالوا : لا إله إلا الله ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

أما بعد ، فهذا استعجال الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ، انتخبته من كلام شيخ الإسلام وقدوة الأنام ناصر السنة ( شمس الدين أبي عبد الله محمد بن قيم الجوزية ) رحمه الله تعالى .

اعلم أن الله بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وأهل الأرض أحوج إلى رسالته من غيث السماء ومن نور الشمس الذي يذهب عنهم حنادس الظلماء ، فضرورتهم إليها أعظم الضرورات وحاجتهم إليها مقدمة على جميع الحاجات ، فإنه لا حياة للقلوب ولا سرور ولا لذة ولا نعيم ولا أمان إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله ويكون ذلك أحب إليها مما سواه ، ويكون سعيها فيما يقربها إليه ، ومن المحال أن تستقل العقول البشرية بإدراك ذلك على التفصيل فاقتضت حكمة العزيز العليم بأن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين ولمن أجابهم مبشرين ولمن خالفهم منذرين ، وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله ، وعلى هذه المعرفة تنبني مطال الرسالة جميعها ، فإن الخوف والرجاء والمحبة والطاعة والعبودية تابعة لمعرفة المرجو المخوف المحبوب المطاع المعبود .

ولما كان مفتاح الدعوة الإلهية معرفة الرب تعالى قال أفضل الداعين إليه لمعاذ بن جبل وقد أرسله إلى اليمن : " إنك تأتي قوما أهل كتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في [ ص: 16 ] اليوم والليلة . . . " الحديث ، وهو في الصحيحين واللفظ لمسلم ، وقد نزه سبحانه نفسه عن غير ما يصفه به المرسلون فقال : ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ) فنزه نفسه عما يصفه به الخلق ، ثم سلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب ، ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد .

ومن هنا أخذ إمام السنة محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله خطبة كتابه حيث قال : " الحمد لله الذي هو كما وصف نفسه ، وفوق ما يصفه خلقه " فأثبت بهذه الكلمة أن صفاته إنما تتلقى بالسمع لا بآراء الخلق ، وأن أوصافه فوق ما يصفه به الخلق ، وقد شهد الله سبحانه بالعلم لمن يرى أن ما جاء به الرسول من عند الله هو الحق لا آراء الرجال ، فقال تعالى : ( ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ) وقال تعالى : ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ) فمن تعارض عنده ما جاء به الرسول وآراء الرجال فقدمها عليه أو توقف فيه أو قدحت في كمال معرفته فهو أعمى عن الحق .

وقد أخبر الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) وأخبر تعالى عنه أنه سراج منير وأنه هاد إلى صراط مستقيم وبأن من اتبع النور الذي أنزل معه هو المفلح لا غيره ، وأن من لم يحكمه في كل ما تنازع فيه المتنازعون وينقد لحكمه ، ولا يكون عنده حرج منه فليس بمؤمن ، فكيف يجوز على من أخبر الله تعالى عنه بما ذكر أن يكون قد أخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله بما الهدى في خلاف ظاهره ، والحق في إخراجه عن حقائقه وحمله على وحشي اللغات ومستكرهات التأويلات ، وأن حقائقه ضلال وتشبيه وإلحاد ، وأن الهدى والعلم في مجازه وإخراجه عن حقائقه ؟ وأحال الأمة فيه على آراء الرجال المتحيرين وعقول المتهوكين ( المتحيرين ) فيقول : إذا أخبرتكم عن الله وصفاته العلى [ ص: 17 ] بشيء فلا تعتقدوا حقيقته وخذوا معرفة مرادي به من آراء الرجال ومعقولها ، فإن الهدى والعلم فيه .

معاذ الله ، فإنه لو خرج عن ظاهره بتأويل المتأولين انتقضت عرى الإيمان كلها ، وكان لا تشاء طائفة من طوائف أهل الضلال أن تتأول النصوص على مذهبها إلا وجدت السبيل إليه .

والمقصود : أن الله تعالى كمل للرسول ولأمته به دينهم وأتم عليهم به نعمته ، ومحال مع هذا أن يدع ما خلق له الخلق وأرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب ونصبت عليه القبلة وأسست عليه الملة ، وهو باب الإيمان به ومعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله ، ملتبسا مشتبها حقه بباطله ، لم يتكلم فيه بما هو الحق بل تكلم بما هو الباطل ، والحق في إخراجه عن ظاهره ، فكيف يكون أفضل الرسل وأجل الكتب غير واف بتعريف ذلك على أتم الوجوه ، مبين له بأكمل البيان ، موضح له غاية الإيضاح ، مع شدة حاجة النفوس إلى معرفته ، وهو أفضل ما اكتسبته النفوس وأجل ما حصلته القلوب .

ومن المحال أن يكون صلى الله عليه وسلم قد علمهم آداب الغائط ، قبله وبعده ومعه ، وآداب الوطء والطعام والشراب ، ويترك أن يعلمهم ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم الذي معرفته غاية المعارف والوصول إليه أتم المطالب ، وعبادته وحده لا شريك له أقرب الوسائل ، ويخبرهم بما ظاهره ضلال وإلحاد ، ويحيلهم في فهم ما أخبره به عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله على مستكرهات التأويل وما تحكم به عقولهم ، هذا هو القائل : " تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك " ، وهو القائل : " ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم " ، وقال أبو ذر : " لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر [ ص: 18 ] يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما " ، وقال عمر بن الخطاب : ( قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم ، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه ) ذكره البخاري .

فكيف يتوهم من لله ورسوله في قلبه وقار أن يعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمسك عن بيان هذا الأمر العظيم ولم يتكلم فيه بالصواب ؟ معاذ الله ، بل لا يتم الإيمان إلا بأن يعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين ذلك أتم البيان وأوضحه غاية الإيضاح ، ولم يدع بعده لقائل مقالا ولا لمتأول تأويلا .

ثم من المحال أن يكون خير الأمة وأفضلها وأسبقها إلى كل خير قصروا في هذا الباب فجفوا عنه أو تجاوزوا فغلوا فيه ، وإنما ابتلي من خرج عن منهاجهم بهذين الداءين .

وقال شيخنا قدس الله روحه : والحال في هؤلاء المبتدعة الذين فضلوا طريقة الخلف على طريقة السلف حيث ظنوا أن طريق السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ولا فهم لمراد الله ورسوله منها ، واعتقدوا أنهم بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم : ( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ) وأن طريقة المتأخرين هي استخراج معاني النصوص ، وصرفها عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستكرهات التأويلات ، فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وراء ظهورهم ، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف والكذب عليهم وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف ، وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص ، فلما اعتقدوا التعطيل وانتفاء الصفات في نفس الأمر ورأوا أنه لا بد للنصوص من معنى بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى ، وهذا الذي هو طريقة السلف [ ص: 19 ] عندهم وبين صرف اللفظ عن حقيقته وما وضع له إلى ما لم يوضع له ولا دل عليه ، بأنواع من المجازات وبالتكلفات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالبيان والهدى ، فصار هذا الباطل مركبا من فساد العقل والجهل بالسمع ، فلا عقل ولا سمع ، فإن النفي والتعطيل إنما اعتمدوا فيه على شبهات فاسدة ظنوها معقولات ، وحرفوا لها النصوص السمعية عن مواضعها .

فلما ابتني أمرهم على هاتين المقدمتين الكاذبتين كانت النتيجة استجهال السابقين الذين هم أعلم الأمة بالله وصفاته ، واعتقاد أنهم كانوا أميين بمنزلة الصالحين البله الذين لم يتبحروا في حقائق العلم بالله ، وأن الخلف هم العلماء الذين أحرزوا قصبات السبق ، واستولوا على الغاية وظفروا من الغنيمة بما فات السابقين الأولين ، فكيف يتوهم من له أدنى مسكة من عقل وإيمان أن هؤلاء المتحيرين الذين كثر في باب العلم بالله اضطرابهم ، وغلظ عن معرفة الله حجابهم ، وأخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم ، وأنه الشك والحيرة حيث يقول :


لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسايرت طرفي بين تلك المعالم     فلم أر إلا واضعا كف حائر
على ذقن أو قارعا سن نادم

ويقول الآخر :


نهاية إقدام العقول عقال     وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا     وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول دهرنا     سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

وقال الآخر : " لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم ، وخضت في الذي نهوني عنه ، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لي ، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي " ، وقال الآخر : " أكثر الناس شكا عند الموت أرباب الكلام " ، وقال آخر : [ ص: 20 ] منهم : " اشهدوا علي أني أموت وما عرفت شيئا إلا أن الممكن مفتقر إلى واجب " ، ثم قال : " الافتقار أمر عدمي فلم أعرف شيئا " ، وقال آخر وقد نزلت به نازلة من سلطانه فاستغاث برب الفلاسفة فلم يغث ، قال : فاستغثت برب الجهمية فلم يغثني ، ثم استغثت برب القدرية فلم يغثني ، ثم استغثت برب المعتزلة فلم يغثني ، قال : فاستغثت برب العامة فأغاثني .

التالي


الخدمات العلمية