مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

صفحة جزء
المسلك الثالث : مسلك الرحمة فإنها هي المسئولية الشاملة العامة للموجودات كلها وبها قامت الموجودات ، فهي التي وسعت كل شيء ، والرب وسع كل شيء رحمة وعلما ، فوصلت رحمته إلى حيث وصل علمه ، فليس موجود سوى الله تعالى إلا وقد وسعته رحمته وشملته وناله منها حظ ونصيب ، ولكن المؤمنون اكتسبوا أسبابا استوجبوا بها تكميل الرحمة ودوامها ، والكفار اكتسبوا أسبابا استوجبوا بها صرف الرحمة إلى غيرهم .

فأسباب الرحمة متصلة دائمة لا انقطاع لها لأنها من صفة الرحمة ، والأسباب التي عارضتها مضمحلة زائلة لأنها عارضة على أسباب الرحمة طارئة عليها ، وإذا كان كل مخلوق قد انتهت إليه الرحمة ووسعته فلا بد أن يظهر أثرها فيه آخرا كما ظهر أثرها فيه أولا ، فإن أثر الرحمة ظهر فيه أول النشأة ثم اكتسب ما يقتضي آثار الغضب ، فإذا ترتب على الغضب أثره عادت الرحمة فاقتضت أثرها آخرها كما اقتضته أولا لزوال المانع وحصول المقتضى في الموضعين .

ومما يوضح هذا المعنى أن الجنة مقتضى رحمته ومغفرته ، والنار من عذابه ، وهو مخلوق منفصل عنه ، ولهذا قال تعالى : ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ) وقال : ( اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ) وقال تعالى : ( إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم ) فالنعم موجب أسمائه وصفاته ، وأما العذاب فإنه من مخلوقاته المقصودة لغيرها بالقصد الثاني ، فهو سبحانه إذا ذكر الرحمة والإحسان والعفو نسبه إلى ذاته ، وأخبر أنه من صفاته ، وإذا ذكر العقاب نسبه إلى أفعاله ولم يتصف به ، فرحمته من لوازم ذاته ، وليس غضبه وعقابه من لوازم ذاته ، فهو سبحانه لا يكون إلا رحيما ، كما أنه لا يكون إلا حيا عليما قديرا سميعا ، وأما كونه لا يكون إلا غضبانا معذبا فليس ذلك من كماله المقدس ، ولا هو مما أثنى به على نفسه وتمدح به .

يوضح هذا المعنى أنه كتب على نفسه الرحمة ، ولم يكتب عليها الغضب ، وسبقت رحمته غضبه وغلبته ، ولم يسبقها الغضب ولا غلبها ، ووسعت رحمته كل شيء ، ولم يسع غضبه وعقابه كل شيء ، وخلق الخلق ليرحمهم لا ليعاقبهم ، والعفو [ ص: 261 ] أحب إليه من الانتقام ، والفضل أحب إليه من العدل ، والرحمة آثر عنده من العقوبة ، لهذا لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من خير ، وجعل جانب الفضل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، وجانب العدل السيئة فيه بمثلها وهي معرضة للزوال بأيسر شيء ، وكل هذا ينفي أن يخلق خلقا لمجرد عذابه السرمدي الذي لا انتهاء له ولا انقضاء ، لا لحكمة مطلوبة إلا لمجرد التعذيب والألم الزائد على الحد ، فما قدر الله حق قدره من نسب إليه ذلك ، بخلاف ما إذا خلقهم ليرحمهم ويحسن إليهم وينعم عليهم ، فاكتسبوا ما أغضبه وأسخطه فأصابهم من عذابه وعقوبته بحسب ذلك العارض الذي اكتسبوا ثم اضمحل سبب العقوبة وزال وعاد مقتضى الرحمة ، فهذا هو الذي يليق برحمة أرحم الراحمين وحكمة أحكم الحاكمين .

ومما يبين هذا أن الجنة لا يدخلها من لم يعمل خيرا قط ، ويدخلها من ينشئه الله تعالى فيها ، ويدخلها من دخل النار أولا ، ويدخلها الأبناء بعمل الآباء ، وأما النار فذلك كله منتف فيها ، ولا يدخلها من لم يعمل شرا قط ، ولا ينشئ الله تعالى فيها خلقا يعذبهم من غير جرم ، ولا يدخلها من يدخل الجنة أولا ، ولا يدخلها الذرية بكفر الآباء وعملهم ، وهذا يدل على أنها خلقت لمصلحة من دخلها الذيب . . . فضلاته وأوساخه وأدرانه ، وتطهره من خبثه ونجاسته ، كالكير الذي يخرج خبث الجواهر المنتفع بها ، ولمصلحة من يدخلها ليردعه ذكرها ، والخبر عنها عن ظلمه وغيه ، فليست الداران عند الله سواء في الأسباب والغايات والحكم والمصالح .

يوضح ذلك أن الله تعالى لا يعذب أحدا إلا لحكمة ، ولا يضع عذابه إلا في المحل الذي يليق به ، كما اقتضى شرعه العقوبات الدنيوية بالحدود التي أمر بإقامتها لما فيها من المصالح والحكم في حق صاحبها وغيره ، وكذلك ما يقدره من المصائب والآلام فيها من الحكم ما لا يحصيه إلا الله ، من تزكية النفوس وتطهيرها ، والردع والزجر ، وتعريف قدر العاقبة ، وامتحان الخلق ، ليظهر من يعبده على السراء والضراء ممن يعبده على حرف إلى أضعاف ذلك من الحكم .

وكيف يخلو أعظم العقوبات عن حكمة ومصلحة ورحمة ، إن مصدرها عن تقدير أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ، والجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب ، ولهذا يدخل النار من أهل التوحيد من فيه خبث وشر حتى يتطهر فيها ويطيب ، ومن كان فيه دون ذلك حبس على قنطرة بين الجنة والنار ، [ ص: 262 ] حتى إذا هذب ونقي أذن له بالدخول ، ومعلوم أن النفوس الشريرة الظالمة المظلمة الأثيمة لا تصلح لتلك الدار التي هي دار الطيبين ، ولو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه ، فلا تصلح لدار السلام التي سلمت من كل عيب وآفة ، فاقتضت الحكمة تعذيب هذه النفوس عذابا يطهر نفوسهم من ذلك الشر والخبث ، ويكون مصلحة لهم ، ورحمة بهم ذلك العذاب ، وهذا معقول في الحكمة ، أما خلق النفوس لمجرد العذاب السرمدي لا لحكمة ولا لمصلحة فتأباه حكمة أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين .

يوضحه : أن الله تعالى قيد دار العذاب ووقتها بما لم يقيد به دار النعيم وبوقتها ، فقال تعالى في دار العذاب : ( لابثين فيها أحقابا ) وقال : ( النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ) فقيدها بالمشيئة ، وأخبر أن ذلك صادر عن حكمته وعلمه ، وقال تعالى : ( فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ) وأما الجنة فإنه أخبر ببقاء نعيمها ودوامه وأنه لا نفاد له ولا انقطاع ، فقال : ( أكلها دائم وظلها ) وقال ( إن هذا لرزقنا ما له من نفاد ) وأما النار فغاية ما أخبر به عنها أن أهلها لا يخرجون منها ، وأنهم خالدين فيها وما هم منها بمخرجين ، وهذا مجمع عليه بين أئمة الإسلام ، وهو معلوم بالضرورة أن الرسول جاء به ، ولكن الكلام في مقام آخر أن النار أبدية لا تفنى أصلا ، كما أن الجنة كذلك ، فهذا الذي تكلم فيه الصحابة والتابعون ومن بعدهم .

قال حرب في مسألة : سألت إسحاق عن قول الله تعالى : ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ) قال : أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن ، قال إسحاق : حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا معتمر بن سليمان قال : قال أبي : حدثني أبو نضرة عن جابر وأبي سعيد ، أو بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : هذه الآية تأتي على القرآن كله ( إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ) قال المعتمر قال [ ص: 263 ] أبي : كل وعيد في القرآن ، وقال ابن جرير في تفسيره : حدثنا الحسن بن يحيى حدثنا عبد الرزاق حدثنا ابن التميمي عن أبيه عن أبي نضرة عن جابر وأبي سعيد ، وعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : ( إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ) قال : " هذه الآية تأتي على القرآن كله حيث يقول في القرآن : ( خالدين فيها ) تأتي عليه " .

قال ابن جرير : حدثت عن ابن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس قال : ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ) قال ( أمر النار تأكلهم ) قال : وقال ابن مسعود : ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ، ليس فيها أحد ، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا .

وقال أحمد : حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن ساق عن الشعبي قال : جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعها خرابا .

وقال حرب عن إسحاق بن راهويه : حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا أبي ، حدثنا شعبة عن أبي بلج ، سمع عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمرو قال : " ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد ، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا " .

وقال إسحاق : حدثنا عبيد بن معاذ حدثنا أبي ، حدثنا شعبة عن يحيى بن أيوب عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال " ما أنا بالذي أقول إنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد ، وقرأ : ( فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد )

التالي السابق


الخدمات العلمية