هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

صفحة جزء
[ ص: 437 ] ( فصل ) : قال السائل :

إنكم نسبتم الأمتين العظيمتين المذكورتين إلى اختيار الكفر على الإيمان للغرض المذكور ، فابن سلام وأصحابه أولى بذلك الغرض ، لأنهم قليلون جدا ، وأضداده كثيرون لا يحصيهم عدد . والجواب من وجوه :

أحدها : أنه قد بينا أن جمهور هاتين الأمتين المذكورتين آمن به وصدقه وقد كانوا ملء الأرض ، وهذه الشام ومصر وما جاورهما ، واتصل بهما من أعمالهما ، والجزيرة والموصل وأعمالهما ، وأكثر بلاد المغرب وكثير من بلاد المشرق ، كانوا كلهم نصارى فأصبحت هذه البلاد كلها مسلمين ، فالمتخلف من هاتين الأمتين عن الإيمان أقل القليل بالإضافة إلى من آمن به وصدقه ، وهؤلاء عباد الأوثان كلهم أطبقوا على الإسلام إلا من كان منهم في أطراف الأرض بحيث لم تصل إليه الدعوة ، وهذه أمة المجوس توازي هاتين الأمتين كثرة وشوكة وعددا دخلوا في دينه ، وبقي من بقي منهم كما بقيتم أنتم تحت الذلة والجزية .

الثاني : أنا قد بينا أن الغرض الحامل لهم على الأمر ليس هو مجرد المأكلة والرئاسة ، وإن كانا من جملة الأغراض ، بل منهم من حمله على ذلك ، ومنهم من حمله الحسد ، ومنهم من حمله الكبر ، ومنهم من حمله [ ص: 438 ] محبة الآباء والأسلاف وحسن الظن بهم ، ومنهم من حمله محبة إلفه للدين الذي نشأ عليه ، فجبل بطبعه ، فصار انتقاله عنه كمفارقة الإنسان ما طبع عليه ، وأنت ترى هذا السبب كيف هو الغالب المستولي على أكثر بني آدم في إيثارهم ما اعتادوه من المطاعم والمشارب والملابس والمساكن والديانات على ما هو خير منه وأوفق بكثير .

ومنهم من حمله التقليد والجهل وهم الأتباع الذين ليس لهم علم ، ومنهم من حمله الخوف من فوات محبوب أو حصول مرهوب ، فلم ينسب هاتين الأمتين إلى الغرض المذكور وحده ؟

الثالث : أنا قد بينا أن الأمم الذين كانوا عليهم كانوا أكثر عددا وأغزر عقولا منهم ، وكلهم اختار العمى على الهدى ، والكفر على الإيمان بعد البصيرة ، فلهاتين الأمتين سلف كثير وهم أكثر الخلق .

الرابع : أن عبد الله بن سلام ومن دونه إنما أسلموا في وقت شدة من الأمر وقلة من المسلمين وضعف وحاجة ، وأهل الأرض مطبقون على عداوتهم ، واليهود والمشركون هم أهل الشوكة والعدة والحلقة والسلاح ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذ ذاك قد أووا إلى المدينة ، وأعداؤهم يطلبونهم في كل وجه ، وقد بذلوا الرغائب لمن جاءهم بهم ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه وخادمهم واستخفوا ثلاثا في غار تحت الأرض ، ثم خرجوا بعد ثلاث على غير الطريق إلى أن قدموا المدينة ، والشوكة والعدد والعدة فيها لليهود والمشركين ، فأسلم عبد الله بن سلام حين مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، لما رأى أعلام النبوة التي كان يعرفها وشاهدها فيه ، وترك الأغراض التي منعت المغضوب عليهم من [ ص: 439 ] الإسلام من الرئاسة والمال والجاه بينهم ، وقد شهدوا له كلهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رئيسهم وخيرهم وسيدهم ، فعلم أنهم إن علموا بإسلامه أخرجوه من تلك الرئاسة والسيادة ، فأحب أن يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال : أدخلني بعض بيوتك وسلهم عني ، ففعل ، وسألهم عنه فأخبروه أنه سيدهم ورئيسهم وعالمهم ، فخرج عليهم وذكرهم وأوقفهم على أنهم يعلمون أنه رسول الله ، وقابلهم بذلك ، فسبوه وقدحوا فيه وأنكروا رئاسته وسيادته وعلمه .

فلو كان عبد الله بن سلام ممن يؤثر عرض الدنيا والرئاسة لفعل كما فعله إخوان القردة وأمة الغضب والقوم البهت ، وهكذا شأن من أسلم من يهود خيبر .

وأما المتخلفون فكثير منهم صرح بغرضه لخاصته وعامته ، وقال : إن هؤلاء قد عظمونا ورأسونا وملكونا فلو اتبعناه لنزعوا ذلك كله منا ، وهذا قد رأيناه نحن في زماننا وشاهدناه عيانا . ولقد ناظرنا بعض علماء النصارى معظم يوم ، فلما تبين له الحق بهت ، فقلت له وأنا وهو خاليان : ما يمنعك الآن من اتباع الحق ؟ فقال لي : إذا قدمت على هؤلاء الحمير - هكذا لفظه - فرشوا الشقاق تحت حوافر دابتي ، وحكموني في أموالهم ونسائهم ، ولم يعصوني فيما آمرهم به ، وأنا لا أعرف صنعة ، ولا أحفظ قرآنا ، ولا نحوا ولا فقها ، فلو أسلمت لدرت في الأسواق أتكفف الناس ، فمن الذي يطيب نفسا بهذا ؟ ! فقلت : هذا لا يكون ، وكيف تظن بالله أنك إذا أسلمت وآثرت رضاه على هواك يخزيك ويحوجك ؟ ! ولو فرضنا أن ذلك أصابك فما ظفرت به من الحق والنجاة من النار ومن سخط الله وغضبه ، فيه أتم العوض عما فاتك ، فقال : حتى يأذن الله ، فقلت : والقدر لا يحتج به ، ولو كان القدر حجة لكان حجة لليهود على [ ص: 440 ] تكذيب المسيح ، وحجة للمشركين على تكذيب الرسل ، ولا سيما أنتم تكذبون بالقدر ، فكيف تحتج به ؟ ! فقال : دعنا الآن من هذا ، وأمسك .

الخامس : أن جوابك في نفس سؤالك فإنك اعترفت أن عبد الله بن سلام وذويه كانوا قليلين جدا وأضدادهم لا يحصون كثرة ، ومعلوم أن الغرض الداعي لموافقة الجمهور الذين لا يحصون كثرة ، وهم أولو القوة والشوكة أقوى من الغرض الداعي لموافقة الأقلين المستضعفين . والله الموفق .

التالي السابق


الخدمات العلمية