صفحة جزء
الفصل الثالث : معرفة الأنبياء بأمور الدنيا

قال القاضي أبو الفضل - وفقه الله - : قد بان بما قدمناه عقود الأنبياء في التوحيد ، والإيمان والوحي ، وعصمتهم في ذلك ما بيناه .

فأما ما عدا هذا الباب من عقود قلوبهم فجماعها أنها مملوءة علما ، ويقينا على الجملة ، وأنها قد احتوت من المعرفة ، والعلم بأمور الدين ، والدنيا ما لا شيء فوقه .

ومن طالع الأخبار ، واعتنى بالحديث ، وتأمل ما قلناه ، وجده .

وقد قدمنا منه في حق نبينا في الباب الرابع أول قسم من هذا الكتاب ما ينبه على ما وراءه إلا أن أحوالهم في هذه المعارف تختلف .

فأما ما تعلق منها بأمر الدنيا فلا يشترط في هذه في حق الأنبياء العصمة من عدم معرفة الأنبياء ببعضها أو اعتقادها على خلاف ما هي عليه ، ولا وصم عليهم فيه ، إذ هممهم متعلقة بالآخرة ، وأنبائها ، وأمر الشريعة ، وقوانينها . وأمور الدنيا تضادها بخلاف غيرهم من أهل الدنيا الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ، وهم عن الآخرة هم غافلون ، كما سنبين هذا في الباب الثاني إن شاء الله ، ولكنه لا يقال : إنهم لا يعلمون شيئا من أمر الدنيا ، فإن ذلك يؤدي إلى الغفلة ، والبله ، وهم المنزهون عنه ، بل قد أرسلوا إلى أهل الدنيا ، وقلدوا سياستهم ، وهدايتهم ، والنظر في مصالح دينهم ، ودنياهم ، وهذا لا يكون مع عدم العلم بأمور الدنيا بالكلية ، وأحوال الأنبياء ، وسيرهم في هذا الباب معلومة ، ومعرفتهم بذلك كله مشهورة .

وأما إن كان هذا العقد مما يتعلق بالدين فلا يصح من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا العلم به ، ولا يجوز عليه جهله جملة ، لأنه لا يخلو أن يكون حصل عنده ذلك عن وحي من الله ، فهو لا يصح الشك منه فيه على ما قدمناه ، فكيف الجهل ، بل حصل له العلم اليقين . أو يكون فعل ذلك باجتهاده فيما لم ينزل عليه فيه شيء على القول بتجويز وقوع الاجتهاد منه في ذلك على قول المحققين ، وعلى مقتضى حديث أم سلمة : إني إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه شيء . خرجه الثقات .

وكقصة أسرى بدر ، والإذن للمتخلفين على رأي بعضهم ، فلا يكون أيضا ما يعتقده مما يثمره اجتهاده إلا حقا ، وصحيحا .

هذا هو الحق الذي لا يلتفت إلى خلاف من خالف فيه ممن أجاز عليه الخطأ في الاجتهاد ، لا على القول بتصويب المجتهدين الذي هو الحق والصواب عندنا ، ولا على القول الآخر بأن الحق [ ص: 472 ] في طرف واحد لعصمة نبي - صلى الله عليه وسلم - من الخطأ في الاجتهاد في الشرعيات ، ولأن القول في تخطئة المجتهدين إنما هو بعد استقرار الشرع ، ونظر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واجتهاده إنما هو فيما لم ينزل عليه فيه شيء ، ولم يشرع له قبل ، هذا فيما عقد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - قلبه ، فأما ما لم يعقد عليه قلبه من أمر النوازل الشرعية ، فقد كان لا يعلم منها أولا إلا ما علمه الله شيئا فشيئا حتى استقر علم جميعها عنده ، إما بوحي من الله أو إذن له أن يشرع في ذلك ، ويحكم بما أراه الله .

وقد كان ينتظر الوحي في كثير منها ، ولكنه لم يمت حتى استقر علم جميعها عنده - صلى الله عليه وسلم - ، وتقررت معارفها لديه على التحقيق ، ورفع الشك ، والريب ، وانتفاء الجهل .

وبالجملة فلا يصح منه الجهل بشيء من تفاصيل الشرع الذي أمر بالدعوة إليه ، إذ لا تصح دعوته إلى ما لا يعلمه .

وأما ما تعلق بعقده من ملكوت السماوات والأرض وخلق الله - تعالى - وتعيين أسمائه الحسنى وآياته الكبرى وأمور الآخرة وأشراط الساعة وأحوال السعداء والأشقياء ، وعلم ما كان وما يكون مما لم يعلمه إلا بوحي فعلى ما تقدم من أنه معصوم فيه ، لا يأخذه فيما أعلم منه شك ولا ريب ، بل هو فيه على غاية اليقين ، لكنه لا يشترط له العلم بجميع تفاصيل ذلك ، وإن كان عنده من علم ذلك ما ليس عند جميع البشر ، لقوله : إني لا أعلم إلا ما علمني ربي . ولقوله : ولا خطر على قلب بشر فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين [ السجدة : 17 ] .

وقول موسى للخضر : هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا [ الكهف : 66 ] .

وقوله : أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، واستأثرت به في علم الغيب عندك .

وقد قال الله - تعالى - : وفوق كل ذي علم عليم [ يوسف : 76 ] قال زيد بن أسلم ، وغيره : حتى ينتهي العلم إلى الله .

وهذا ما لا خفاء به ، إذ معلوماته لا يحاط بها ، ولا منتهى لها .

هذا حكم عقد النبي - صلى الله عليه وسلم - في التوحيد ، والشرع ، والمعارف ، والأمور الدينية .

التالي السابق


الخدمات العلمية