مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

صفحة جزء
فصل اللمم

فأما اللمم فقد روي عن جماعة من السلف أنه الإلمام بالذنب مرة ، ثم لا يعود إليه ، وإن كان كبيرا ، قال البغوي : هذا قول أبي هريرة ، ومجاهد ، والحسن ، ورواية عطاء عن ابن عباس ، قال : وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : اللمم ما دون الشرك قال السدي : قال أبو صالح : سئلت عن قول الله عز وجل : إلا اللمم ؟ فقلت : هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده فذكرت ذلك لابن عباس فقال : لقد أعانك عليها ملك كريم .

والجمهور على أن اللمم ما دون الكبائر ، وهو أصح الروايتين عن ابن عباس ، كما في صحيح البخاري من حديث طاووس عنه قال : ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان النطق ، والنفس تمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه رواه مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ، وفيه والعينان زناهما النظر ، والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام ، واليد زناها البطش ، والرجل زناها الخطى .

وقال الكلبي : اللمم على وجهين ، كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ، ولا عذابا في الآخرة ، فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ، ما لم يبلغ الكبائر والفواحش ، والوجه الآخر هو الذنب العظيم ، يلم به المسلم المرة بعد المرة ، فيتوب منه .

قال سعيد بن المسيب : هو ما ألم بالقلب ، أي ما خطر عليه .

[ ص: 324 ] قال الحسين بن الفضل : اللمم النظر من غير تعمد ، فهو مغفور ، فإن أعاد النظر فليس بلمم ، وهو ذنب ، وقد روى عطاء عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما



وذهبت طائفة ثالثة إلى أن اللمم ما فعلوه في الجاهلية قبل إسلامهم ، فالله لا يؤاخذهم به ، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين : أنتم بالأمس كنتم تعملون معنا ، فأنزل الله هذه الآية ، وهذا قول زيد بن ثابت ، وزيد بن أسلم .

والصحيح قول الجمهور أن اللمم صغائر الذنوب ، كالنظرة ، والغمزة ، والقبلة ، ونحو ذلك ، هذا قول جمهور الصحابة ومن بعدهم ، وهو قول أبي هريرة وعبد الله بن مسعود ، وابن عباس ، ومسروق ، والشعبي ، ولا ينافي هذا قول أبي هريرة ، وابن عباس في الرواية الأخرى : إنه يلم بالكبيرة ثم لا يعود إليها ، فإن اللمم إما أنه يتناول هذا وهذا ، ويكون على وجهين ، كما قال الكلبي ، أو أن أبا هريرة ، وابن عباس ألحقا من ارتكب الكبيرة مرة واحدة - ولم يصر عليها ، بل حصلت منه فلتة في عمره - باللمم ، ورأيا أنها إنما تتغلظ وتكبر وتعظم في حق من تكررت منه مرارا عديدة ، وهذا من فقه الصحابة رضي الله عنهم وغور علومهم ، ولا ريب أن الله يسامح عبده المرة والمرتين والثلاث ، وإنما يخاف العنت على من اتخذ الذنب عادته ، وتكرر منه مرارا كثيرة ، وفي ذلك آثار سلفية ، والاعتبار بالواقع يدل على هذا ، ويذكر عن علي رضي الله عنه أنه دفع إليه سارق ، فأمر بقطع يده ، فقال : يا أمير المؤمنين ، والله ما سرقت غير هذه المرة ، فقال : كذبت ، فلما قطعت يده قال : اصدقني ، كم لك بهذه المرة ؟ فقال : كذا وكذا مرة ؟ فقال : صدقت ، إن الله لا يؤاخذ بأول ذنب ، أو كما قال ، فأول ذنب إن لم يكن هو اللمم ، فهو من جنسه ونظيره ، فالقولان عن أبي هريرة ، وابن عباس متفقان غير مختلفين ، والله أعلم .

[ ص: 325 ] وهذه اللفظة فيها معنى المقاربة والإعتاب بالفعل حينا بعد حين ، فإنه يقال : ألم بكذا ، إذا قاربه ولم يغشه ، ومن هذا سميت القبلة والغمزة لمما ، لأنها تلم بما بعدها ، ويقال : فلان لا يزورنا إلا لماما ، أي حينا بعد حين ، فمعنى اللفظة ثابت في الوجهين اللذين فسر الصحابة بهما الآية ، وليس معنى الآية الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم فإنهم لا يجتنبونه ، فإن هذا يكون ثناء عليهم بترك اجتناب اللمم ، وهذا محال ، وإنما هذا استثناء من مضمون الكلام ومعناه ، فإن سياق الكلام في تقسيم الناس إلى محسن ومسيء ، وأن الله يجزي هذا بإساءته وهذا بإحسانه ، ثم ذكر المحسنين ووصفهم بأنهم يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ، ومضمون هذا أنه لا يكون محسنا مجزيا بإحسانه ، ناجيا من عذاب الله ، إلا من اجتنب كبائر الإثم والفواحش ، فحسن حينئذ استثناء اللمم ، وإن لم يدخل في الكبائر ، فإنه داخل في جنس الإثم والفواحش .

وضابط الانقطاع أن يكون له دخول في جنس المستثنى منه ، وإن لم يدخل في نفسه ، ولم يتناوله لفظه ، كقوله تعالى لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما فإن السلام داخل في الكلام الذي هو جنس اللغو والسلام ، وكذلك قوله : لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا فإن الحميم والغساق داخل في جنس الذوق المنقسم ، فكأنه قيل في الأول : لا يسمعون فيها شيئا إلا سلاما ، وفي الثاني : لا يذوقون فيها شيئا إلا حميما وغساقا ، ونص على فرد من أفراد الجنس تصريحا ، ليكون نفيه بطريق التصريح والتنصيص ، لا بطريق العموم الذي يتطرق إليه تخصيص هذا الفرد ، وكذلك قوله تعالى ما لهم به من علم إلا اتباع الظن فإن الظن داخل في الشعور الذي هو جنس العلم والظن .

وأدق من هذا دخول الانقطاع فيما يفهمه الكلام بلازمه ، كقوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إذ مفهوم هذا أن نكاح منكوحات الآباء سبب للعقوبة إلا ما قد سلف منه قبل التحريم ، فإنه عفو ، وكذلكوأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف وإن كان المراد به ما كان في شرع من [ ص: 326 ] تقدم فهو استثناء من القبح المفهوم من ذلك التحريم والذم لمن فعله ، فحسن أن يقال : إلا ما قد سلف .

فتأمل هذا فإنه من فقه العربية .

وأما قوله : لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى فهذا الاستثناء هو لتحقيق دوام الحياة وعدم ذوق الموت ، وهو يجعل النفي الأول العام بمنزلة النص الذي لا يتطرق إليه استثناء البتة ، إذ لو تطرق إليه استثناء فرد من أفراده لكان أولى بذكره من العدول عنه إلى الاستثناء المنقطع ، فجرى هذا الاستثناء مجرى التأكيد ، والتنصيص على حفظ العموم ، وهذا جار في كل منقطع ، فتأمله فإنه من أسرار العربية .

فقوله : وما بالربع من أحد إلا الأواري ، يفهم منه لو وجدت فيها أحدا لاستثنيته ولم أعدل إلى الأواري التي ليست بأحد .

وقريب من هذا لفظة " أو " في قوله تعالى ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وقوله : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون هو كالتنصيص على أن المراد بالأول الحقيقة لا المبالغة ، فإنها إن لم تزد قسوتها على الحجارة فهي كالحجارة في القسوة لا دونها ، وأنه إن لم يزد عددهم على مائة ألف لم ينقص عنها ، فذكر " أو " هاهنا كالتنصيص على حفظ المائة الألف ، وأنها ليست مما أريد بها المبالغة ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية