مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

صفحة جزء
فصل

فلنذكر معنى التوكل ودرجاته . وما قيل فيه .

قال الإمام أحمد : التوكل عمل القلب . ومعنى ذلك أنه عمل قلبي . ليس بقول اللسان ، ولا عمل الجوارح ، ولا هو من باب العلوم والإدراكات .

[ ص: 115 ] ومن الناس من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول : هو علم القلب بكفاية الرب للعبد .

ومنهم من يفسره بالسكون وخمود حركة القلب . فيقول : التوكل هو انطراح القلب بين يدي الرب ، كانطراح الميت بين يدي الغاسل بقلبه كيف يشاء . وهو ترك الاختيار ، والاسترسال مع مجاري الأقدار .

قال سهل : التوكل الاسترسال مع الله مع ما يريد .

ومنهم من يفسره بالرضا . فيقول : هو الرضا بالمقدور .

قال بشر الحافي : يقول أحدهم : توكلت على الله . يكذب على الله ، لو توكل على الله ، رضي بما يفعل الله .

وسئل يحيى بن معاذ : متى يكون الرجل متوكلا ؟ فقال : إذا رضي بالله وكيلا .

ومنهم من يفسره بالثقة بالله ، والطمأنينة إليه . والسكون إليه .

قال ابن عطاء : التوكل أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب ، مع شدة فاقتك إليها ، ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها .

قال ذو النون : هو ترك تدبير النفس ، والانخلاع من الحول والقوة . وإنما يقوى العبد على التوكل إذا علم أن الحق سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه .

[ ص: 116 ] وقال بعضهم : التوكل التعلق بالله في كل حال .

وقيل : التوكل أن ترد عليك موارد الفاقات ، فلا تسمو إلا إلى من إليه الكفايات .

وقيل : نفي الشكوك ، والتفويض إلى مالك الملوك .

وقال ذو النون : خلع الأرباب وقطع الأسباب .

يريد قطعها من تعلق القلب بها ، لا من ملابسة الجوارح لها .

ومنهم من جعله مركبا من أمرين أو أمور .

فقال أبو سعيد الخراز : التوكل اضطراب بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب .

يريد : حركة ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن ، وسكونا إلى المسبب ، وركونا إليه . ولا يضطرب قلبه معه . ولا تسكن حركته عن الأسباب الموصلة إلى رضاه .

وقال أبو تراب النخشبي : هو طرح البدن في العبودية ، وتعلق القلب بالربوبية ، والطمأنينة إلى الكفاية . فإن أعطي شكر . وإن منع صبر .

فجعله مركبا من خمسة أمور : القيام بحركات العبودية ، وتعلق القلب بتدبير الرب ، وسكونه إلى قضائه وقدره ، وطمأنينته وكفايته له ، وشكره إذا أعطى ، وصبره إذا منع .

قال أبو يعقوب النهرجوري : التوكل على الله بكمال الحقيقية ، كما وقع لإبراهيم [ ص: 117 ] الخليل عليه السلام في الوقت الذي قال لجبريل عليه السلام : أما إليك فلا ؛ لأنه غائب عن نفسه بالله . فلم ير مع الله غير الله .

وأجمع القوم على أن التوكل لا ينافي القيام بالأسباب . فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها ، وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد .

قال سهل بن عبد الله : من طعن في الحركة فقد طعن في السنة . ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان .

فالتوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم ، والكسب سنته . فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته ، وهذا معنى قول أبي سعيد : هو اضطراب بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب وقول سهل أبين وأرفع .

وقيل : التوكل قطع علائق القلب بغير الله .

وسئل سهل عن التوكل ؟ فقال : قلب عاش مع الله بلا علاقة .

وقيل : التوكل هجر العلائق ، ومواصلة الحقائق .

وقيل : التوكل أن يستوي عندك الإكثار والإقلال .

وهذا من موجباته وآثاره ، لا أنه حقيقته .

وقيل : هو ترك كل سبب يوصلك إلى مسبب ، حتى يكون الحق هو المتولي لذلك .

وهذا صحيح من وجه ، باطل من وجه . فترك الأسباب المأمور بها قادح في التوكل . وقد تولى الحق إيصال العبد بها . وأما ترك الأسباب المباحة فإن تركها لما هو أرجح منها مصلحة فممدوح ، وإلا فهو مذموم .

وقيل : هو إلقاء النفس في العبودية ، وإخراجها من الربوبية .

يريد استرسالها مع الأمر ، وبراءتها من حولها وقوتها ، وشهود ذلك بها ، بل بالرب وحده .

ومنهم من قال : التوكل هو التسليم لأمر الرب وقضائه .

ومنهم من قال : هو التفويض إليه في كل حال .

ومنهم من جعل التوكل بداية ، والتسليم واسطة ، والتفويض نهاية .

قال أبو علي الدقاق : التوكل ثلاث درجات : التوكل ، ثم التسليم ، ثم [ ص: 118 ] التفويض . فالمتوكل يسكن إلى وعده ، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه ، وصاحب التفويض يرضى بحكمه . فالتوكل بداية ، والتسليم واسطة ، والتفويض نهاية . فالتوكل صفة المؤمنين ، والتسليم صفة الأولياء . والتفويض صفة الموحدين .

التوكل صفة العوام . والتسليم صفة الخواص ، والتفويض صفة خاصة الخاصة .

التوكل صفة الأنبياء ، والتسليم صفة إبراهيم الخليل ، والتفويض صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين .

هذا كله كلام الدقاق . ومعنى هذا التوكل اعتماد على الوكيل ، وقد يعتمد الرجل على وكيله مع نوع اقتراح عليه ، وإرادة وشائبة منازعة . فإذا سلم إليه زال عنه ذلك . ورضي بما يفعله وكيله . وحال المفوض فوق هذا . فإنه طالب مريد ممن فوض إليه ، ملتمس منه أن يتولى أموره . فهو رضا واختيار ، وتسليم واعتماد ، فالتوكل يندرج في التسليم ، وهو والتسليم يندرجان في التفويض . والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية