مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

صفحة جزء
فصل

وحقيقة الأمر : أن التوكل حال مركبة من مجموع أمور ، لا تتم حقيقة التوكل إلا بها . وكل أشار إلى واحد من هذه الأمور ، أو اثنين أو أكثر .

فأول ذلك : معرفة بالرب وصفاته من قدرته ، وكفايته ، وقيوميته ، وانتهاء الأمور إلى علمه ، وصدورها عن مشيئته وقدرته . وهذه المعرفة أول درجة يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل .

قال شيخنا رضي الله عنه : ولذلك لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف . ولا من القدرية النفاة القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء . ولا يستقيم أيضا من الجهمية النفاة لصفات الرب جل جلاله . ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات .

فأي توكل لمن يعتقد أن الله لا يعم جزيئات العالم سفليه وعلويه ؟ ولا هو فاعل باختياره ؟ ولا له إرادة ومشيئة . ولا يقوم به صفة ؟ فكل من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف كان توكله أصح وأقوى . والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية