مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

صفحة جزء
فصل منزلة الفتوة

ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الفتوة

هذه المنزلة حقيقتها هي منزلة الإحسان إلى الناس . وكف الأذى عنهم . واحتمال أذاهم . فهي استعمال حسن الخلق معهم . فهي في الحقيقة نتيجة حسن الخلق واستعماله . [ ص: 324 ] والفرق بينها وبين المروءة : أن المروءة أعم منها . فالفتوة نوع من أنواع المروءة . فإن المروءة استعمال ما يجمل ويزين مما هو مختص بالعبد ، أو متعد إلى غيره . وترك ما يدنس ويشين مما هو مختص أيضا به ، أو متعلق بغيره .

والفتوة إنما هي استعمال الأخلاق الكريمة مع الخلق .

فهي ثلاثة منازل : منزلة التخلق وحسن الخلق . ومنزلة الفتوة . ومنزلة المروءة . وقد تقدمت منزلة الخلق .

وهذه منزلة شريفة ، لم تعبر عنها الشريعة باسم الفتوة بل عبرت عنها باسم مكارم الأخلاق كما في حديث يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله بعثني لأتمم مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأفعال .

وأصل الفتوة من الفتى وهو الشاب الحديث السن . قال الله تعالى عن أهل الكهف إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وقال عن قوم إبراهيم : إنهم قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم وقال تعالى عن يوسف ودخل معه السجن فتيان وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم .

فاسم الفتى لا يشعر بمدح ولا ذم ، كاسم الشاب والحدث . ولذلك لم يجئ اسم [ ص: 325 ] الفتوة في القرآن ولا في السنة ولا في لسان السلف . وإنما استعمله من بعدهم في مكارم الأخلاق .

وأصلها عندهم : أن يكون العبد أبدا في أمر غيره .

وأقدم من علمته تكلم في الفتوة جعفر بن محمد . ثم الفضيل بن عياض . والإمام أحمد ، وسهل بن عبد الله ، والجنيد . ثم الطائفة .

فيذكر أن عفر بن محمد سئل عن الفتوة ؟ فقال للسائل : ما تقول أنت ؟ فقال : إن أعطيت شكرت . وإن منعت صبرت . فقال : الكلاب عندنا كذلك . فقال السائل : يا ابن رسول الله . فما الفتوة عندكم ؟ فقال : إن أعطينا آثرنا . وإن منعنا شكرنا .

وقال الفضيل بن عياض : الفتوة : الصفح عن عثرات الإخوان .

وقال الإمام أحمد رضي الله عنه - في رواية ابنه عبد الله - عنه ، وقد سئل عن الفتوة ؟ فقال : ترك ما تهوى لما تخشى .

ولا أعلم لأحد من الأئمة الأربعة فيها سواه .

وسئل الجنيد عن الفتوة ؟ فقال : لا تنافر فقيرا ، ولا تعارض غنيا .

وقال الحارث المحاسبي : الفتوة أن تنصف ولا تنتصف .

وقال عمر بن عثمان المكي : الفتوة حسن الخلق .

وقال محمد بن علي الترمذي : الفتوة أن تكون خصما لربك على نفسك .

وقيل : الفتوة أن لا ترى لنفسك فضلا على غيرك .

وقال الدقاق : هذا الخلق لا يكون كماله إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن كل أحد يقول يوم القيامة : نفسي نفسي ، وهو يقول أمتي أمتي .

[ ص: 326 ] وقيل : الفتوة : كسر الصنم الذي بينك وبين الله تعالى ، وهو نفسك . فإن الله حكى عن خليله إبراهيم عليه السلام : أنه جعل الأصنام جذاذا . فكسر الأصنام له . فالفتى من كسر صنما واحدا في الله .

وقيل : الفتوة أن لا تكون خصما لأحد . يعني في حظ نفسك . وأما في حق الله ، فالفتوة : أن تكون خصما لكل أحد ولو كان الحبيب المصافيا .

وقال الترمذي : الفتوة أن يستوي عندكم المقيم والطارئ .

وقال بعضهم : الفتوة أن لا يميز بين أن يأكل عنده ولي أو كافر .

وقال الجنيد أيضا : الفتوة كف الأذى وبذل الندى .

وقال سهل : هي اتباع السنة . وقيل : هي الوفاء والحفاظ .

وقيل : فضيلة تأتيها ، ولا ترى نفسك فيها . وقيل : أن لا تحتجب ممن قصدك .

وقيل : أن لا تهرب إذا أقبل العافي . يعني طالب المعروف . وقيل : إظهار النعمة وإسرار المحنة . وقيل : أن لا تدخر ولا تعتذر .

وقيل : تزوج رجل بامرأة . فلما دخلت عليه رأى بها الجدري . فقال : اشتكيت عيني . ثم قال : عميت . فبعد عشرين سنة ماتت . ولم تعلم أنه بصير . فقيل له في ذلك . فقال : كرهت أن يحزنها رؤيتي لما بها . فقيل له : سبقت الفتيان .

وقيل : ليس من الفتوة أن تربح على صديقك .

واستضاف رجل جماعة من الفتيان . فلما فرغوا من الطعام خرجت جارية تصب الماء على أيديهم . فانقبض واحد منهم . وقال : ليس من الفتوة أن تصب النسوان الماء على أيدي الرجال . فقال آخر منهم : أنا منذ سنين أدخل إلى هذه الدار . ولم أعلم أن امرأة تصب الماء على أيدينا أو رجلا .

وقدم جماعة فتيان لزيارة فتى . فقال الرجل : يا غلام قدم السفرة . فلم يقدم . فقالها ثانيا وثالثا فلم يقدم . فنظر بعضهم إلى بعض ، وقالوا : ليس من الفتوة أن يستخدم الرجل من يتعاصى عليه في تقديم السفرة كل هذا . فقال الرجل : لم أبطأت بالسفرة ؟ فقال الغلام : كان عليها نمل . فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل . ولم يكن من الفتوة إلقاء النمل وطردهم عن الزاد . فلبثت حتى دب النمل . فقالوا : يا غلام . مثلك يخدم الفتيان .

ومن الفتوة التي لا تلحق : ما يذكر أن رجلا نام من الحاج في المدينة . ففقد هميانا فيه ألف دينار . فقام فزعا . فوجد جعفر بن محمد فعلق به . وقال : أخذت همياني . فقال : [ ص: 327 ] أي شيء كان فيه ؟ قال : ألف دينار . فأدخله داره ووزن له ألف دينار ، ثم إن الرجل وجد هميانه ، فجاء إلى جعفر معتذرا بالمال . فأبى أن يقبله منه . وقال : شيء أخرجته من يدي لا أسترده أبدا . فقال الرجل للناس : من هذا ؟ فقالوا : هذا جعفر بن محمد رضي الله عنه .

التالي السابق


الخدمات العلمية