مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

صفحة جزء
فصل

قال الدرجة الثانية : الخروج عن الخوف إلى ميدان القبض ، والصعود من الرجاء إلى ميدان البسط ، ثم الترقي من السرور إلى ميدان المشاهدة .

ذكر في الدرجة الأولى : كيف يحفظ الحد بين المقامات ، حتى لا يتعدى إلى غلو أو جفاء . وذلك سوء أدب .

فذكر مع الخوف : أن يخرجه إلى اليأس ، ومع الرجاء : أن يخرجه إلى الأمن ، ومع [ ص: 373 ] السرور : أن يخرجه إلى الجرأة .

ثم ذكر في هذه الدرجة : أدب الترقي من هذه الثلاثة إلى ما يحفظه عليها . ولا يضيعها بالكلية . كما أن في الدرجة الأولى : لا يبالغ به . بل يكون خروجه من الخوف إلى القبض ، يعني لا يزايل الخوف بالكلية ، فإن قبضه لا يؤيسه ولا يقنطه . ولا يحمله على مخالفة ولا بطالة . وكذلك رجاؤه لا يقعد به عن ميدان البسط . بل يكون بين القبض والبسط . وهذه حال الكمال . وهي السير بين القبض والبسط .

وسروره : لا يقعد به عن ترقيه إلى ميدان مشاهدته ، بل يرقى بسروره إلى المشاهدة . ويرجع من رجائه إلى البسط . ومن خوفه إلى القبض .

ومقصوده : أن ينتقل من أشباح هذه الأحوال إلى أرواحها . فإن الخوف شبح . والقبض روحه . والرجاء شبح ، والبسط روحه . والسرور شبح ، والمشاهدة روحه . فيكون حظه من هذه الثلاثة : أرواحها وحقائقها ، لا صورها ورسومها .

التالي السابق


الخدمات العلمية