مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

صفحة جزء
فصل

قال : وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : همة تصون القلب عن وحشة الرغبة في الفاني ، وتحمله على الرغبة في الباقي ، وتصفيه من كدر التواني .

الفاني الدنيا وما عليها . أي يزهد القلب فيها وفي أهلها . وسمى الرغبة فيها وحشة لأنها وأهلها توحش قلوب الراغبين فيها ، وقلوب الزاهدين فيها .

أما الراغبون فيها : فأرواحهم وقلوبهم في وحشة من أجسامهم . إذ فاتها ما خلقت له . فهي في وحشة لفواته .

وأما الزاهدون فيها : فإنهم يرونها موحشة لهم . لأنها تحول بينهم وبين مطلوبهم ومحبوبهم . ولا شيء أوحش عند القلب مما يحول بينه وبين مطلوبه ومحبوبه . ولذلك كان من نازع الناس أموالهم ، وطلبها منهم أوحش شيء إليهم وأبغضه .

وأيضا : فالزاهدون فيها : إنما ينظرون إليها بالبصائر . والراغبون ينظرون إليها بالأبصار فيستوحش الزاهد مما يأنس به الراغب . كما قيل :


وإذا أفاق القلب واندمل الهوى رأت القلوب ولم تر الأبصار

وكذلك هذه الهمة تحمله على الرغبة في الباقي لذاته . وهو الحق سبحانه . والباقي بإبقائه : هو الدار الآخرة .

[ ص: 7 ] وتصفيه من كدر التواني أي تخلصه وتمحصه من أوساخ الفتور والتواني ، الذي هو سبب الإضاعة والتفريط . والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية