مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

صفحة جزء
فصل

والكلام في هذه المنزلة معلق بطرفين : طرف محبة العبد لربه . وطرف محبة الرب لعبده . والناس في إثبات ذلك ونفيه أربعة أقسام : فأهل يحبهم ويحبونه على إثبات الطرفين ، وأن محبة العبد لربه فوق كل محبة تقدر . ولا نسبة لسائر المحاب إليها . وهي حقيقة لا إله إلا الله ، وكذلك عندهم محبة الرب لأوليائه وأنبيائه ورسله : صفة زائدة على رحمته ، وإحسانه وعطائه . فإن ذلك أثر المحبة وموجبها . فإنه لما أحبهم كان نصيبهم من رحمته وإحسانه وبره أتم نصيب .

والجهمية المعطلة عكس هؤلاء فإنه عندهم لا يحب ولا يحب . ولم يمكنهم تكذيب النصوص . فأولوا نصوص محبة العباد له على محبة طاعته وعبادته . والازدياد من الأعمال لينالوا بها الثواب . وإن أطلقوا عليهم بها لفظ المحبة فلما ينالون به من الثواب والأجر ، والثواب المنفصل عندهم : هو المحبوب لذاته . والرب تعالى محبوب لغيره حب الوسائل .

وأولوا نصوص محبته لهم بإحسانه إليهم . وإعطائهم الثواب . وربما أولوها بثنائه عليهم ومدحه لهم . ونحو ذلك . وربما أولوها بإرادته لذلك . فتارة يؤولونها بالمفعول المنفصل . وتارة يؤولونها بنفس الإرادة .

ويقولون : الإرادة إن تعلقت بتخصيص العبد بالأحوال والمقامات العلية : سميت [ ص: 20 ] محبة ، وإن تعلقت بالعقوبة والانتقام : سميت غضبا وإن تعلقت بعموم الإحسان والإنعام الخاص : سميت برا وإن تعلقت بإيصاله في خفاء ، من حيث لا يشعر ، ولا يحتسب : سميت لطفا وهي واحدة . ولها أسماء وأحكام باعتبار متعلقاتها .

ومن جعل محبته للعبد ثناءه عليه ومدحه له : ردها إلى صفة الكلام . فهي عنده من صفات الذات ، لا من صفات الأفعال . والفعل عنده نفس المفعول . فلم يقم بذات الرب محبة لعبده ، ولا لأنبيائه ورسله ألبتة .

ومن ردها إلى صفة الإرادة جعلها من صفات الذات باعتبار أصل الإرادة ، ومن صفات الأفعال باعتبار تعلقها .

ولما رأى هؤلاء أن المحبة إرادة ، من رأى ذلك قال وأن الإرادة لا تتعلق إلا بالمحدث المقدور ، والقديم يستحيل أن يراد : أنكروا محبة العباد ، والملائكة ، والأنبياء ، والرسل له . وقالوا : لا معنى لها إلا إرادة التقرب إليه ، والتعظيم له ، وإرادة عبادته . فأنكروا خاصة الإلهية ، وخاصة العبودية . واعتقدوا أن هذا من موجبات التوحيد والتنزيه . فعندهم لا يتم التوحيد والتنزيه إلا بجحد حقيقة الإلهية ، وجحد حقيقة العبودية .

وجميع طرق الأدلة - عقلا ونقلا وفطرة ، وقياسا واعتبارا ، وذوقا ووجدا - تدل على إثبات محبة العبد لربه ، والرب لعبده .

وقد ذكرنا لذلك قريبا من مائة طريق في كتابنا الكبير في المحبة . وذكرنا فيه فوائد المحبة ، وما تثمر لصاحبها من الكمالات ، وأسبابها وموجباتها ، والرد على من أنكرها . وبيان فساد قوله ، وأن المنكرين لذلك قد أنكروا خاصة الخلق والأمر ، والغاية التي وجدوا لأجلها . فإن الخلق والأمر ، والثواب ، والعقاب : إنما نشأ عن المحبة ولأجلها . وهي الحق الذي به خلقت السماوات والأرض . وهي الحق الذي تضمنه الأمر والنهي . وهي سر التأليه . وتوحيدها : هو شهادة أن لا إله إلا الله .

وليس كما زعم المنكرون : أن الإله هو الرب الخالق . فإن المشركين كانوا مقرين بأنه لا رب إلا الله ، ولا خالق سواه ، وبأنه وحده المنفرد بالخلق والربوبية . ولم يكونوا مقرين بتوحيد الإلهية . وهو المحبة والتعظيم ، بل كانوا يؤلهون مع الله غيره . وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله ، وصاحبه ممن اتخذ من دون الله أندادا .

قال الله تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله [ ص: 21 ] فأخبر أن من أحب من دون الله شيئا ، كما يحب الله تعالى : فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا ، فهذا ند في المحبة ، لا في الخلق والربوبية . فإن أحدا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية ، بخلاف ند المحبة . فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في الحب والتعظيم . ثم قال والذين آمنوا أشد حبا لله وفي تقدير الآية قولان :

أحدهما : والذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها ، ويعظمونها من دون الله .

والثاني : والذين آمنوا أشد حبا لله من محبة المشركين بالأنداد لله . فإن محبة المؤمنين خالصة ، ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها . والمحبة الخالصة : أشد من المشتركة . والقولان مرتبان على القولين في قوله تعالى يحبونهم كحب الله فإن فيها قولان .

أحدهما : يحبونهم كما يحبون الله . فيكون قد أثبت لهم محبة الله . ولكنها محبة يشركون فيها مع الله أندادا .

والثاني : أن المعنى يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون الله . ثم بين أن محبة المؤمنين لله أشد من محبة أصحاب الأنداد لأندادهم .

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يرجح القول الأول ، ويقول : إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة . ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له .

وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم . وهم في النار يقولون [ ص: 22 ] لآلهتهم وأندادهم ، وهي محضرة معهم في العذاب تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ومعلوم أنهم لم يسووهم برب العالمين في الخلق والربوبية . وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم . .

وهذا أيضا هو العدل المذكور في قوله تعالى ثم الذين كفروا بربهم يعدلون أي يعدلون به غيره في العبادة التي هي المحبة والتعظيم . وهذا أصح القولين .

وقيل : الباء . بمعنى " عن " والمعنى : ثم الذين كفروا عن ربهم يعدلون عن عبادته إلى عبادة غيره . وهذا ليس بقوي . إذ لا تقول العرب عدلت بكذا ، أي عدلت عنه . وإنما جاء هذا في فعل السؤال . نحو : سألت بكذا . أي عنه . كأنهم ضمنوه : اعتنيت به واهتممت . ونحو ذلك .

وقال تعالى : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله وهي تسمى آية المحبة . قال أبو سليمان الداراني : لما ادعت القلوب محبة الله : أنزل الله لها محنة قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله .

قال بعض السلف : ادعى قوم محبة الله ، فأنزل الله آية المحنة قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله .

وقال " يحببكم الله " إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها ، وفائدتها . فدليلها وعلامتها : اتباع الرسول . وفائدتها وثمرتها : محبة المرسل لكم . فما لم تحصل المتابعة . فليست محبتكم له حاصلة . ومحبته لكم منتفية .

وقال تعالى : ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم فقد ذكر لهم أربع علامات أحدها : أنهم أذلة على المؤمنين قيل : معناه أرقاء ، رحماء مشفقون عليهم . عاطفون عليهم . فلما ضمن أذلة هذا المعنى عداه بأداة " على " . قال عطاء : للمؤمنين كالولد لوالده ، والعبد لسيده . وعلى الكافرين كالأسد على فريسته أشداء على الكفار رحماء بينهم .

[ ص: 23 ] العلامة الثالثة : الجهاد في سبيل الله بالنفس واليد ، واللسان والمال ، وذلك تحقيق دعوى المحبة .

العلامة الرابعة : أنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم . وهذا علامة صحة المحبة فكل محب يأخذه اللوم عن محبوبه فليس بمحب على الحقيقة . كما قيل :


لا كان من لسواك فيه بقية يجد السبيل بها إليه اللوم

.

وقال تعالى أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب - إلى قوله - محذورا فذكر المقامات الثلاث : الحب . وهو ابتغاء القرب إليه ، والتوسل إليه بالأعمال الصالحة . والرجاء والخوف : يدل على أن ابتغاء الوسيلة أمر زائد على رجاء الرحمة وخوف العذاب .

ومن المعلوم قطعا : أنك لا تتنافس إلا في قرب من تحب قربه ، وحب قربه تبع لمحبة ذاته . بل محبة ذاته أوجبت محبة القرب منه . وعند الجهمية والمعطلة : ما من ذلك كله شيء . فإنه عندهم لا تقرب ذاته من شيء ، ولا يقرب من ذاته شيء ، ولا يحب لذاته . ولا يحب .

فأنكروا حياة القلوب ، ونعيم الأرواح ، وبهجة النفوس ، وقرة العيون ، وأعلى نعيم الدنيا والآخرة . ولذلك ضربت قلوبهم بالقسوة ، وضربت دونهم ودون الله حجب على معرفته ومحبته . فلا يعرفونه ولا يحبونه . ولا يذكرونه إلا عند تعطيل أسمائه وصفاته فذكرهم أعظم آثامهم وأوزارهم .

بل يعاقبون من يذكره بأسمائه وصفاته ونعوت جلاله . ويرمونهم بالأدواء التي هم أحق بها وأهلها ، وحسب ذي البصيرة وحياة القلب : ما يرى على كلامهم من القسوة والمقت ، والتنفير عن محبة الله عز وجل ومعرفته وتوحيده . والله المستعان .

وقال تعالى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه [ ص: 24 ] وقال أحبابه وأولياؤه : إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا .

وقال تعالى : وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى فجعل غاية أعمال الأبرار والمقربين والمحبين : إرادة وجهه .

وقال تعالى : وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما فجعل إرادته غير إرادة الآخرة . .

وهذه الإرادة لوجهه موجبة للذة النظر إليه في الآخرة ، كما في مستدرك الحاكم وصحيح ابن حبان في الحديث المرفوع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه كان يدعو : اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق : أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي . وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة . وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا . وأسألك القصد في الفقر والغنى . وأسألك نعيما لا ينفد . وأسألك قرة عين لا تنقطع . وأسألك الرضا بعد القضاء ، وبرد العيش بعد الموت ، وأسألك لذة النظر إلى وجهك . وأسألك الشوق إلى لقائك ، في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة . اللهم زينا بزينة الإيمان . واجعلنا هداة مهتدين .

فقد اشتمل هذا الحديث الشريف على ثبوت لذة النظر إلى وجه الله ، وعلى ثبوت الشوق إلى لقائه . وعند الجهمية لا وجه له سبحانه ، ولا ينظر إليه ، فضلا أن يحصل به لذة . كما سمع بعضهم داعيا يدعو بهذا الدعاء فقال : ويحك ! هب أن له وجها ، أفتلتذ بالنظر إليه ؟

وفي الصحيح عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما . وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله . وأن يكره أن يعود في الكفر - بعد إذ أنقذه الله منه - كما يكره أن يلقى في النار .

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول الله تعالى : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب . وما تقرب إلي عبدي بشيء [ ص: 25 ] أحب إلي من أداء ما افترضته عليه . ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه . فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها . ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه .

وفي الصحيحين عنه أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أحب الله العبد دعا جبريل ، فقال : إني أحب فلانا ، فأحبه . فيحبه جبريل . ثم ينادي في السماء ، فيقول : إن الله يحب فلانا فأحبوه . فيحبه أهل السماء . ثم يوضع له القبول في الأرض . وذكر في البغض عكس ذلك .

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها في حديث أمير السرية الذي كان يقرأ " قل هو الله أحد " لأصحابه في كل صلاة ، وقال : لأنها صفة الرحمن . فأنا أحب أن أقرأ بها ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبروه أن الله يحبه .

وفي جامع الترمذي من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال كان من دعاء داود - صلى الله عليه وسلم - : اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك ، والعمل الذي يبلغني حبك . اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي . ومن الماء البارد .

وفيه أيضا من حديث عبد الله بن يزيد الخطمي : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دعائه اللهم ارزقني حبك ، وحب من ينفعني حبه عندك . اللهم ما رزقتني مما أحب ، فاجعله قوة لي فيما تحب ، وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا فيما تحب .

والقرآن والسنة مملوءان بذكر من يحبه الله سبحانه من عباده المؤمنين . وذكر ما يحبه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم . كقوله تعالى والله يحب الصابرين والله يحب المحسنين [ ص: 26 ] إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص فإن الله يحب المتقين .

وقوله في ضد ذلك والله لا يحب الفساد والله لا يحب كل مختال فخور والله لا يحب الظالمين إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا .

[ ص: 27 ] وكم في السنة " أحب الأعمال إلى الله كذا وكذا " ، و " إن الله يحب كذا وكذا " كقوله أحب الأعمال إلى الله : الصلاة على وقتها ، ثم بر الوالدين ، ثم الجهاد في سبيل الله و أحب الأعمال إلى الله : الإيمان بالله ، ثم الجهاد في سبيل الله . ثم حج مبرور و أحب العمل إلى الله : ما داوم عليه صاحبه وقوله إن الله يحب أن يؤخذ برخصه .

وأضعاف أضعاف ذلك . وفرحه العظيم بتوبة عبده الذي هو أشد فرح يعلمه العباد . وهو من محبته للتوبة وللتائب .

فلو بطلت مسألة المحبة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان . ولتعطلت منازل السير إلى الله .

فإنها روح كل مقام ومنزلة وعمل . فإذا خلا منها فهو ميت لا روح فيه . ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها . بل هي حقيقة الإخلاص ، بل هي نفس الإسلام . فإنه الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله . فمن لا محبة له لا إسلام له ألبتة . بل هي حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله . فإن الإله هو الذي يألهه العباد ذلا ، وخوفا ورجاء ، وتعظيما وطاعة له . بمعنى مألوه . وهو الذي تألهه القلوب . أي تحبه وتذل له .

[ ص: 28 ] وأصل التأله التعبد . والتعبد آخر مراتب الحب . يقال : عبده الحب وتيمه : إذا ملكه وذلله لمحبوبه .

ف " المحبة " حقيقة العبودية . وهل تمكن الإنابة بدون المحبة والرضا ، والحمد والشكر ، والخوف والرجاء ! ! وهل الصبر في الحقيقة إلا صبر المحبين ! ! فإنه إنما يتوكل على المحبوب في حصول محابه ومراضيه .

وكذلك الزهد في الحقيقة : هو زهد المحبين . فإنهم يزهدون في محبة ما سوى محبوبهم لمحبته .

وكذلك الحياء في الحقيقة : إنما هو حياء المحبين . فإنه يتولد من بين الحب والتعظيم . وأما ما لا يكون عن محبة : فذلك خوف محض .

وكذلك مقام الفقر فإنه في الحقيقة فقر الأرواح إلى محبوبها . وهو أعلى أنواع الفقر . فإنه لا فقر أتم من فقر القلب إلى من يحبه . لا سيما إذا وحده في الحب ، ولم يجد منه عوضا سواه . هذا حقيقة الفقر عند العارفين .

وكذلك الغنى هو غنى القلب بحصول محبوبه . وكذلك الشوق إلى الله تعالى ولقائه . فإنه لب المحبة وسرها . كما سيأتي .

فمنكر المحبة هذه المسألة ومعطلها من القلوب : معطل لذلك كله . وحجابه أكثف الحجب . وقلبه أقسى القلوب ، وأبعدها عن الله . وهو منكر لخلة إبراهيم عليه السلام . فإن الخلة كمال المحبة . وهو يتأول الخليل بالمحتاج . فخليل الله عنده : هو المحتاج . فكم - على قوله - لله من خليل من بر وفاجر ، بل مؤمن وكافر . إذ كثير من الفجار والكفار من ينزل حوائجه كلها بالله صغيرها وكبيرها . ويرى نفسه أحوج شيء إلى ربه في كل حالة .

فلا بالخلة أقر المنكرون ، ولا بالعبودية ، ولا بتوحيد الإلهية ، ولا بحقائق الإسلام والإيمان والإحسان . ولهذا ضحى خالد بن عبد الله القسري بمقدم هؤلاء وشيخهم جعد بن درهم ، وقال في يوم عيد الله الأكبر ، عقيب خطبته : أيها الناس ، ضحوا . تقبل الله ضحاياكم . فإني مضح بالجعد بن درهم . فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ، ولم يكلم موسى تكليما . تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا . ثم نزل فذبحه ، فشكر المسلمون سعيه . ورحمه الله وتقبل منه .

التالي السابق


الخدمات العلمية