مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

صفحة جزء
قال : وهو في هذا الباب : على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : سرور ذوق . ذهب بثلاثة أحزان : حزن أورثه خوف الانقطاع . وحزن هاجمته ظلمة الجهل . وحزن بعثته وحشة التفرق .

السرور ضد الحزن . والحزن لا يجامعه : كان مذهبا له . ولما كان سببه : ذوق الشيء السار . فإنه كلما كان الذوق أتم : كان السرور به أكمل .

وهذا السرور يذهب ثلاثة أحزان .

الحزن الأول : حزن أورثه خوف الانقطاع . وهذا حزن المتخلفين عن ركب المحبين ، ووفد المحبة ، فأهل الانقطاع هم المتخلفون عن صحبة هذا الركب وهذا [ ص: 154 ] الوفد . وهم الذين كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين فثبط عزائمهم وهممهم : أن تسير إليه وإلى جنته . وأمر قلوبهم أمرا كونيا قدريا : أن تقعد مع القاعدين المتخلفين عن السعي إلى محابه . فلو عاينت قلوبهم - حين أمرت بالقعود عن مرافقة الوفد ، وقد غمرتها الهموم ، وعقدت عليها سحائب البلاء ، فأحضرت كل حزن وغم ، وأمواج القلق والحسرات تتقاذف بها ، وقد غابت عنها المسرات . ونابت عنها الأحزان - لعلمت أن الأبرار في هذه الدار في نعيم . وأن المتخلفين عن رفقتهم في جحيم .

وهذا الحزن يذهب به ذوق طعم الإيمان . فيذيق الصديق طعم الوعد الذي وعد به على لسان الرسول . فلا يعقله ظن . ولا يقطعه أمل . ولا تعوقه أمنية - كما تقدم - فيباشر قلبه حقيقة قوله تعالى : أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين وقوله تعالى : ياأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور وقوله تعالى : وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين . وأمثال هذه الآيات .

قوله : وحزن هاجته ظلمة الجهل .

وهذا الحزن الثاني : الذي يذهب سرور الذوق ، هو حزن ظلمة الجهل .

والجهل نوعان : جهل علم ومعرفة . وهو مراد الشيخ هاهنا ، وجهل عمل وغي . وكلاهما له ظلمة ووحشة في القلب ، وكما أن العلم يوجب نورا وأنسا . فضده يوجب ظلمة ويوقع وحشة . وقد سمى الله سبحانه وتعالى العلم الذي بعث به رسوله نورا وهدى وحياة . وسمى ضده : ظلمة وموتا وضلالا . قال الله تعالى : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات وقال تعالى : أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها [ ص: 155 ] وقال تعالى : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم .

وقال تعالى : ياأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا وقال تعالى : فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون وقال تعالى : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا . فجعله روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح . ونورا لما يحصل به من الهدى والرشاد .

ومثل هذا النور في قلب المؤمن : كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ومثل حال من فقد هذا النور : بمن هو في ظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور .

الحزن الثالث : حزن بعثته وحشة التفرق . وهو تفرق الهم والقلب عن الله عز وجل . ولهذا التفرق حزن ممض على فوات جمعية القلب على الله ولذاتها ونعيمها ، فلو فرضت لذات أهل الدنيا بأجمعها حاصلة لرجل لم يكن لها نسبة إلى لذة جمعية قلبه على الله ، وفرحه به ، وأنسه بقربه ، وشوقه إلى لقائه . وهذا أمر لا يصدق به إلا من ذاقه . فإنما يصدقك من أشرق فيه ما أشرق فيك . ولله در القائل :


أيا صاحبي أما ترى نارهم فقال : تريني ما لا أرى     سقاك الغرام ولم يسقني
فأبصرت ما لم أكن مبصرا

فلو لم يكن في التفرق المذكور إلا ألم الوحشة ، ونكد التشتت ، وغبار الشعث [ ص: 156 ] لكفى به عقوبة ، فكيف ؟ وأقل عقوبته : أن يبتلى بصحبة المنقطعين ومعاشرتهم وخدمتهم . فتصير أوقاته - التي هي مادة حياته - ولا قيمة لها ، مستغرقة في قضاء حوائجهم ، ونيل أغراضهم . وهذه عقوبة قلب ذاق حلاوة الإقبال على الله والجمعية عليه والأنس به . ثم آثر على ذلك سواه . ورضي بطريقة بني جنسه ، وما هم عليه . ومن له أدنى حياة في قلبه ونور فإنه يستغيث قلبه من وحشة هذا التفرق . كما تستغيث الحامل عند ولادتها .

ففي القلب شعث ، لا يلمه إلا الإقبال على الله . وفيه وحشة ، لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته .

وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته .

وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه ، والفرار منه إليه .

وفيه نيران حسرات : لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه .

وفيه طلب شديد : لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه .

وفيه فاقة : لا يسدها إلا محبته ، والإنابة إليه ، ودوام ذكره ، وصدق الإخلاص له . ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدا .

فالتفرق يوقع وحشة الحجاب . وألمه أشد من ألم العذاب . قال الله تعالى : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم . فاجتمع عليهم عذاب الحجاب وعذاب الجحيم .

و " الذوق " الذي يذهب وحشة هذا التفرق : هو الذوق الذي ذكره الشيخ في قوله : ذوق الإرادة طعم الأنس . فلا يعلق به شاغل . ولا يفسده عارض . ولا تكدره تفرقة .

التالي السابق


الخدمات العلمية