مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

صفحة جزء
[ ص: 341 ] فصل

قال : الدرجة الثالثة : معرفة مستغرقة في محض التعريف ، لا يوصل إليها الاستدلال ، ولا يدل عليها شاهد ، ولا تستحقها وسيلة ، وهي على ثلاثة أركان : مشاهدة القرب ، والصعود عن العلم ، ومطالعة الجمع ، وهي معرفة خاصة الخاصة .

إنما كانت هذه المعرفة عنده أرفع مما قبلها ؛ لأن ما قبلها متعلقة بالوسائط والشواهد ، متصلة إلى المطلوب ، وهذه متعلقة بعين المقصود فقط ، طاوية للوسائط والشواهد ، فالوسائط صاعدة عنها إليه ، وهي غالبة على حال العارف وشهوده ، وقد استغرقت إدراكه لما هو فيه ، بحيث غاب عن معرفته بمعروفه ، وعن ذكره بمذكوره ، وعن وجوده بموجوده .

فقوله : " مستغرقة في محض التعريف " .

" المعرفة " صفة العبد وفعله ، و " التعريف " فعل الرب وتوفيقه ، فاستغرقت صفة العبد في فعل الرب وتعريفه نفسه لعبده .

وقوله " لا يوصل إليها بالاستدلال " يريد أن هذه المعرفة في الدرجة الثالثة لا يوصل إليها بسبب ، فإن الأسباب قد انطوت فيها ، والوسائل قد انقطعت دونها ، فلا يدل عليها شاهد غيرها ، بل هي شاهد نفسها ، فشاهدها وجودها ، ودليلها نفسها ، ولا تعجل بإنكار هذا ، فالأمور الوجدانية كذلك ، ودليلها نفسها ، وشاهدها حقيقتها ، فتصير هذه المعرفة للعارف كالأمور الوجدانية ، كاللذة والفرح ، والحب والخوف ، وغيرها من الأمور التي لا يطلب من قامت به شاهدا عليها من سوى أنفسها .

ولعمر الله إن هذه درجة من المعرفة منيفة ، ورتبة شريفة ، تنقطع دونها أعناق مطايا السائرين ، فلذلك لا يوصل إليها بالاستدلال ، ولا يدل عليها شاهد ، ولا تستحقها وسيلة ، والأعمال والأحوال والمقامات كلها وسائل ، وهي لا تستحق هذه الدرجة من المعرفة ، وإنما هي فضل من الفضل كله بيده ، وهو ذو الفضل العظيم ، وكون الوسائل المذكورة لا تستحقها لا تمنع من القيام بها على أتم الوجوه ، وبذل الجهد فيها ، ومع ذلك فلا تستحقها الوسائل .

[ ص: 342 ] قوله : " وهي على ثلاثة أركان : مشاهدة القرب ، والصعود عن العلم ، ومطالعة الجمع ، إنما كانت هذه الثلاثة أركانا لها ؛ لأن صاحب هذه المعرفة قد وصل من القرب إلى مقام يليق به بحسب معرفته ، فكلما كانت معرفته أتم ؛ كان قربه أتم ، فإن شهود الوسائط والوسائل حجاب عن عين القرب ، وإلغاؤها وجحودها حجاب عن أصل الإيمان .

وأما صعوده عن العلم : فليس المراد به صعوده عن أحكامه ، فإن ذلك سقوط ونزول إلى الحضيض الأدنى ، لا صعود إلى المطلب الأعلى ، وإنما المراد : أنه يصعد بأحكام العلم عن الوقوف معه ، وتوسيطه بينه وبين المطلوب ، فإن الوسائط قد طوي بساطها في هذا الشهود والعرفان ، أعني : بساط الوقوف معها والنظر إليها ، فيدرك مشهوده ومعروفه به سبحانه ، لا بالعلم والخبر ، بل بالمشاهدة والعيان ، وإن كان لم يصل إلى ذلك إلا بالعلم والخبر ، لكنه قد صعد من العلم والخبر إلى المعلوم المخبر عنه .

وأما مطالعة الجمع فهي الغاية عند هذه الطائفة : ونحن لا ننكر ذلك ، لكن أي جمع هو ؟ هل هو جمع الوجود ، كما يقوله الاتحادي ؟ أم جمع الشهود ، كما يقوله صاحب الفناء في توحيد الربوبية ؟ أم هو جمع الإرادة كلها في مراد الرب تعالى الديني الأمري ؟ فالشأن في هذا الجمع الذي مطالعته من أعلى أنواع المعرفة .

نعم هاهنا جمع آخر ، مطالعته هي كل المعرفة ، وهو : جمع الأفعال في الصفات ، وجمع الصفات في الذات ، وجمع الأسماء في الذات والصفات والأفعال ، فمطالعة هذا الجمع : هي غاية المعرفة ، وأعلى أنواعها ، وهي - لعمر الله - معرفة خاصة الخاصة ، والله المستعان ، وبه التوفيق ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

التالي السابق


الخدمات العلمية