بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
( فصل ) :

وأما شرط التقدم فشيئان .

أحدهما : العصوبة عند أبي حنيفة ، فتقدم العصبة على ذوي الرحم [ ص: 250 ] سواء كانت العصبة أقرب أو أبعد ، وعندهما هي شرط ثبوت أصل الولاية على ما مر .

والثاني : قرب القرابة يتقدم الأقرب على الأبعد سواء كان في العصبات أو في غيرها على أصل أبي حنيفة وعلى أصلهما هذا شرط التقدم لكن في العصبات خاصة بناء على أن العصبات شرط ثبوت أصل الولاية عندهما وعنده هي شرط التقدم على غيرهم من القرابات فما دام ثمة عصبة فالولاية لهم يتقدم الأقرب منهم على الأبعد ، وعند عدم العصبات تثبت الولاية لذوي الرحم الأقرب منهم يتقدم على الأبعد وإنما اعتبر الأقرب فالأقرب في الولاية ; لأن هذه ولاية نظر ، وتصرف الأقرب أنظر في حق المولى عليه ; لأنه أشفق فكان هو أولى من الأبعد ; ولأن القرابة إن كانت استحقاقها بالتعصيب كما قالا فالأبعد لا يكون عصبة مع الأقرب فلا يلي معه ولئن كان استحقاقها بالوراثة كما قال أبو حنيفة فالأبعد لا يرث مع الأقرب فلا يكون وليا معه وإذا عرف هذا فنقول : إذا اجتمع الأب والجد في الصغير والصغيرة والمجنون الكبير والمجنونة الكبيرة فالأب أولى من الجد أب الأب لوجود العصوبة والقرب ، والجد أب الأب وإن علا أولى من الأخ لأب وأم ، والأخ أولى من العم هكذا .

وعند أبي يوسف ومحمد الجد والأخ سواء كما في الميراث فإن الأخ لا يرث مع الجد عنده فكان بمنزلة الأجنبي .

وعندهما يشتركان في الميراث ، فكانا كالأخوين وإن اجتمع الأب والابن في المجنونة فالابن أولى عند أبي يوسف .

وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي قول أبي حنيفة مع قول أبي يوسف وروى المعلى عن أبي يوسف أنه قال : أيهما زوج جاز وإن اجتمعا قلت للأب زوج .

وقال محمد : الأب أولى به .

( وجه ) قوله : إن هذه الولاية تثبت نظرا للمولى عليه ، وتصرف الأب أنظر لها لأنه أشفق عليها من الابن ولهذا كان هو أولى بالتصرف في مالها ; ولأن الأب من قومها والابن ليس منهم ألا ترى أنه ينسب إلى أبيه ؟ فكان إثبات الولاية عليها لقرابتها أولى .

( وجه ) قول أبي يوسف أن ولاية التزويج مبنية على العصوبة والأب مع الابن إذا اجتمعا فالابن هو العصبة والأب صاحب فرض فكان كالأخ لأم مع الأخ لأب وأم ( وجه ) رواية المعلى أنه وجد في كل واحد منهما ما هو سبب التقدم أما الأب : فلأنه من قومها وهو أشفق عليها وأما الابن : فلأنه يرثها بالتعصيب وكل واحد من هذين سبب التقدم فأيهما زوج جاز ، وعند الاجتماع يقدم الأب تعظيما واحتراما له وكذلك إذا اجتمع الأب وابن الابن وإن سفل فهو على هذا الخلاف ، والأفضل في المسألتين أن يفوض الابن الإنكاح إلى الأب احتراما للأب واحترازا عن موضع الخلاف ، وعلى هذا الخلاف إذا اجتمع الجد والابن قال أبو يوسف : الابن أولى .

وقال محمد : الجد أولى .

والوجه من الجانبين على نحو ما ذكرنا فأما الأخ والجد : فهو على الخلاف الذي ذكرنا بين أبي حنيفة وصاحبيه .

وأما من غير العصبات : فكل من يرث يزوج عند أبي حنيفة ومن لا فلا ، وبيان من يرث منهم ومن لا يرث يعرف في كتاب الفرائض ، ثم إنما يتقدم الأقرب على الأبعد إذا كان الأقرب حاضرا أو غائبا غيبة غير منقطعة فأما إذا كان غائبا غيبة منقطعة فللأبعد أن يزوج في قول أصحابنا الثلاثة ، وعند زفر لا ولاية للأبعد مع قيام الأقرب بحال .

وقال الشافعي : يزوجها السلطان .

واختلف مشايخنا في ولاية الأقرب أنها تزول بالغيبة أو تبقى ، قال بعضهم : إنها باقية إلا إن حدثت للأبعد ولاية لغيبة الأقرب فيصير كأن لها وليين مستويين في الدرجة كالأخوين والعمين .

وقال بعضهم : تزول ولايته وتنتقل إلى الأبعد وهو الأصح .

( وجه ) قول زفر أن ولاية الأقرب قائمة لقيام سبب ثبوت الولاية - وهو القرابة القريبة - ولهذا لو زوجها حيث هو يجوز فقيام ولايته تمنع الانتقال إلى غيره والشافعي يقول : إن ولاية الأقرب باقية كما قال زفر إلا أنه امتنع دفع حاجتها من قبل الأقرب مع قيام ولايته عليها بسبب الغيبة فتثبت الولاية للسلطان كما إذا خطبها كفء وامتنع الولي من تزويجها منه أن للقاضي أن يزوجها ، والجامع بينهما دفع الضرر عن الصغيرة .

( ولنا ) أن ثبوت الولاية للأبعد زيادة نظر في حق العاجز فتثبت له الولاية كما في الأب مع الجد إذا كانا حاضرين ، ودلالة ما قلنا أن الأبعد أقدر على تحصيل النظر للعاجز [ ص: 251 ] لأن مصالح النكاح مضمنة تحت الكفاءة والمهر ولا شك أن الأبعد متمكن من إحراز الكفء الحاضر بحيث لا يفوته غالبا ، والأقرب الغائب غيبة منقطعة لا يقدر على إحرازه غالبا ; لأن الكفء الحاضر لا ينتظر حضوره واستطلاع رأيه غالبا .

وكذا الكفء المطلق ; لأن المرأة تخطب حيث هي عادة فكان الأبعد أقدر على إحراز الكفء من الأقرب فكان أقدر على إحراز النظر فكان أولى بثبوت الولاية له إذ المرجوح في مقابلة الراجح ملحق بالعدم في الأحكام كما في الأب مع الجد .

وأما قوله : " إن ولاية الأقرب قائمة " فممنوع ولا نسلم أنه يجوز إنكاحه ، بل لا يجوز فولايته منقطعة بواحدة ، وقد روي عن أصحابنا ما يدل على هذا فإنهم قالوا : إن الأقرب إذا كتب كتابا إلى الأبعد ليقدم رجلا في الصلاة على جنازة الصغير فإن للأبعد أن يمتنع عن ذلك .

ولو كانت ولاية الأقرب قائمة لما كان له الامتناع كما إذا كان الأقرب حاضرا فقدم رجلا ليس للأبعد ولاية المنع ، والمعقول يدل عليه وهو أن ثبوت الولاية لحاجة المولى عليه ولا مدفع لحاجته برأي الأقرب لخروجه من أن يكون منتفعا به بالغيبة فكان ملحقا بالعدم فصار كأنه جن أو مات إذ الموجود الذي لا ينتفع به ، والعدم الأصلي سواء ; ولأن القول بثبوت الولاية للأبعد مع ولاية الأقرب يؤدي إلى الفساد ; لأن الأقرب ربما يزوجها من إنسان حيث هو ولا يعلم الأبعد بذلك فيزوجها من غيره فيطؤها الزوج الثاني ويجيء بالأولاد ثم يظهر أنها زوجة الأول وفيه من الفساد ما لا يخفى ، ثم إن سلمنا على قول بعض المشايخ فلا تنافي بين الولايتين ، فأيهما زوج جاز كما إذا كان لها أخوان أو عمان في درجة واحدة ، وفيه كمال النظر في حق العاجز ; لأن الكفء إن اتفق حيث الأبعد زوجها منه وإن اتفق حيث الأقرب زوجها منه فيكمل النظر إلا أن في حال الحضرة يرجح الأقرب باعتبار زيادة الشفقة لزيادة القرابة وبه تبين أن نقل الولاية إلى السلطان باطل ; لأن السلطان ولي من لا ولي له ، وههنا لها ولي أو وليان ، فلا تثبت الولاية للسلطان إلا عند العضل من الولي ولم يوجد - والله الموفق - واختلفت الأقاويل في تحديد الغيبة المنقطعة وعن أبي يوسف روايتان في رواية قال : ما بين بغداد والري وفي رواية : مسيرة شهر فصاعدا وما دونه ليس بغيبة منقطعة .

وعن محمد روايتان أيضا روي عنه ما بين الكوفة إلى الري ، وروي عنه من الرقة إلى البصرة .

وذكر ابن شجاع إذا كان غائبا في موضع لا تصل إليه القوافل والرسل في السنة إلا مرة واحدة فهو غيبة منقطعة ، وإذا كانت القوافل تصل إليه في السنة غير مرة فليست بمنقطعة وعن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري أنه قال : إن كان الأقرب في موضع يفوت الكفء الخاطب باستطلاع رأيه فهو غيبة منقطعة ، وإن كان لا يفوت فليست بمنقطعة ، وهذا أقرب إلى الفقه لأن التعويل في الولاية على تحصيل النظر للمولى عليه ودفع الضرر عنه .

وذلك فيما قاله هذا إذا اجتمع في الصغير والصغيرة والمجنون الكبير والمجنونة الكبيرة وليان أحدهما أقرب والآخر أبعد فأما إذا كانا في الدرجة سواء كالأخوين والعمين ونحو ذلك ، فلكل واحد منهما على حياله أن يزوج رضي الآخر أو سخط بعد أن كان التزويج من كفء بمهر وافر ، وهذا قول عامة العلماء وقال مالك : ليس لأحد الأولياء ولاية الإنكاح ما لم يجتمعوا بناء على أن هذه الولاية ولاية شركة عنده ، وعندنا وعند العامة ولاية استبداد .

( وجه ) قوله : أن سبب هذه الولاية هو القرابة وأنها مشتركة بينهم فكانت الولاية مشتركة ; لأن الحكم يثبت على وفق العلة وصار كولاية الملك فإن الجارية بين اثنين إذا زوجها أحدهما لا يجوز من غير رضا الآخر لما قلنا كذا هذا .

( ولنا ) أن الولاية لا تتجزأ ; لأنها ثبتت بسبب لا يتجزأ - وهو القرابة - وما لا يتجزأ إذا ثبت بجماعة سبب لا يتجزأ يثبت لكل واحد منهم على الكمال كأنه ليس معه غيره كولاية الأمان بخلاف ولاية الملك لأن سببها الملك وأنه متجزئ فيتقدر بقدر الملك فإن زوجها كل واحد من الوليين رجلا على حدة فإن وقع العقدان معا بطلا جميعا ; لأنه لا سبيل إلى الجمع بينهما ، وليس أحدهما أولى من الآخر ، وإن وقعا مرتبا فإن كان لا يدرى السابق فكذلك لما قلنا ، ولأنه لو جاز لجاز بالتجزي ولا يجوز العمل بالتجزيء في الفروج [ ص: 252 ] وإن علم السابق منهما من اللاحق جاز الأول ولم يجز الآخر ، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إذا نكح الوليان فالأول أحق } وأما إذا زوج أحد الأولياء الحرة البالغة العاقلة برضاها من غير كفء بغير رضا الباقين فحكمه يذكر - إن شاء الله تعالى - في شرائط اللزوم .

التالي السابق


الخدمات العلمية