بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
( وأما ) .

الذي يرجع إلى المحلوف عليه وهو الشرط فمنها أن يكون أمرا في المستقبل فلا يكون التعليق بأمر كائن يمينا بل يكون تنجيزا حتى لو قال لامرأته أنت طالق إن كانت السماء فوقنا يقع الطلاق في الحال ، وعلى هذا يخرج ما إذا قال لامرأته وهي حائض أو مريضة إذا حضت أو مرضت فأنت طالق أن ذلك على حيض مستقبل ومرض مستقبل وهو حيض آخر يوجد في المستقبل أو مرض آخر لا على الحال ، فإن عينت ما يحدث من هذا الحيض وما يزيد من هذا المرض فهو كما نوى لأن الحيض ذو أجزاء تحدث حالا فحالا ، وكذلك المرض يزداد ، ويكون ذلك حيضا ومرضا فإذا نوى ذلك فقد نوى ما يحتمله لفظه فيصدق ، فإن قال فإن حضت غدا فأنت طالق وهو يعلم أنها حائض فهذا على هذه الحيضة إذا دام الحيض منها إلى أن ينشق الفجر من الغد بعد أن تكون تلك الساعة تمام الثلاثة أو أكثر ; لأنه إذا علم بحيضها استحال أن يعني بيمينه حدوث حيضة أخرى في غد فتعين أنه أراد استمرار هذه الحيضة ودوامها وإنما اعتبر بتلك الساعة لتمام الثلاثة أو أكثر لأن الحيض إذا انقطع فيما دونها فليس بحيض فلا يوجد شرط اليمين وإن كان لا يعلم بحيضها فهو على حيض مستقبل ويدين في القضاء ; لأنه إذا لم يعلم بحيضها فالظاهر أنه أراد حدوث الحيض وكذلك هذه الوجوه في المرض .

وكذلك المحموم إذا قال إن حميت أو المصدوع إذا قال إن صدعت وكذلك الرعاف وإن كان صحيحا فقال إن صحيت فامرأتي طالق وكان صحيحا حين سكت طلقت امرأته وهو كبصير قال إن أبصرت وكسميع قال إن سمعت لأن الصحة عرض يحدث ساعة فساعة فالموجود في الزمان الثاني غير الموجود في الزمان الأول وقد حدثت له الصحة حين ما فرغ من هذا الكلام فوجد شرط الحنث ولا [ ص: 27 ] يمكن شرط صحة أخرى في المستقبل كالحيض والمرض فتقع يمينه على ما يحدث عقيب الكلام وعلى هذا يخرج ما إذا قال لامرأته إذا قمت أو قعدت أو ركبت أو لبست فأنت طالق وهي قائمة أو قاعدة أو راكبة أو لابسة أنه إذا مكث ساعة بعد اليمين مقدار ما يقدر على تركها حنث وكذلك السكنى إذا لم يأخذ في النقلة من ساعته لأن الدوام على هذه الأفعال يعنى به تجدد أمثالها يسمى باسم هذه الأفعال فقد وجد ما تناوله الاسم عقيب اليمين فيحنث .

وأما الدخول بأن قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق وهي داخلة فهذا لا يكون إلا على دخول مستقبل فإن نوى الذي هو فيه لا يحنث لأن الدخول هو الانفصال من خارج إلى داخل وهذا لا يحتمل التجدد فلا يثبت الاسم في حالة البقاء أعني الثاني في زمان وجوده .

وكذلك إذا قال لها إن خرجت وهي خارجة لأن الخروج ضد الدخول وهو الانفصال من داخل إلى خارج وأنه لا يتجدد في الثاني من زمان وجوده فلا يثبت الاسم بخلاف القيام والركوب واللبس ونحوهما يوضح الفرق أنه يقال قمت يوما وركبت يوما ولبست يوما ولا يقال دخلت الدار يوما ولا خرجت من الدار يوما على إرادة المكث ، وكذلك الحبل - إذا قال للحبلى إذا حبلت فأنت طالق فهذا يقع على حبل مستقبل لأنه يراد به ابتداء العلوق عرفا وعادة ، ولو قال إن أكلت أو ضربت فهو على الحادث ، كل شيء أكله بعد يمينه أو ضربه بعد يمينه يحنث لأن الضرب يتجدد .

وذكر في الأصل إذا قال لها أنت طالق ما لم تحيضي أو ما لم تحبلي وهي حبلى أو حائض في حال الحلف فهي طالق حين سكت ، إلا أن يكون ذلك منها حين سكت لأنه جعل حدوث الحيض والحبل شرط البر فما لم يوجد عقيب اليمين يحنث وإن عنى به ما فيه من الحيض دين فيما بينه وبين الله تعالى ولا يدين في الحبل لأن الحيض ذو أجزاء فجاز أن يسمى ما يحدث من أجزائه باسم الابتداء ، .

فأما الحبل فليس بذي أجزاء ألا ترى أن الحيض يزداد والحبل ليس بمعنى يحتمل الزيادة فلا يصدق أصلا - والله عز وجل أعلم - .

التالي السابق


الخدمات العلمية