بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
ولو أضاف الزوج الطلاق إلى ما يستقبل من الزمان فإن أضافه إلى زمان لا ملك له في ذلك الزمان قطعا لم يصح كما لو قال لها : أنت طالق بعد موتي .

وكذا إذا قال لها : أنت طالق مع موتي أو مع موتك ; لأن معناه بعد موتي أو بعد موتك ، ; لأن الطلاق معلق بوجود الموت فصار الموت شرطا إذ الجزاء يعقب الشرط فكان هذا إيقاع الطلاق بعد الموت ولا ملك بعد الموت فبطل .

ولو قال لامرأته وهي أمة : أنت طالق اثنتين مع عتق مولاك فأعتقها مولاها فإن زوجها يملك الرجعة ; لأنه تعلق طلاقها بعتق مولاها فصار عتق مولاها شرطا لوقوع الطلاق فيقع بعد تمام الشرط ; وهي حرة في ذلك الوقت .

ولو قال لها : إذا جاء غد فأنت حرة فجاء غد طلقت اثنتين ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره في قول أبي حنيفة وأبي يوسف .

وقال محمد : هذا والأول سواء يملك الرجعة ، ولا خلاف في أن عدتها ثلاث حيض .

وجه قول محمد أنه علق الطلاق والعتاق بمجيء الغد فكان حال وقوع الطلاق والعتاق واحدا وهو حال مجيء الغد فيقعان معا ، والعتق حال وقوعه يكون واقعا ; لأن الشيء حال وجوده يكون موجودا ، والشيء في حال قيامه يكون قائما وفي حال سواده يكون أسود ، فالطلقتان يصادفانها وهي حرة فلا تثبت الحرمة الغليظة ، ولهذا كانت عدتها ثلاث حيض ; ولهذا لم تثبت الحرمة الغليظة .

في المسألة الأولى كذا هذا .

وجه قولهما : أن الطلاق والعتاق لما علقا بمجيء الغد وقعا معا ، ثم العتق يصادفها وهي أمة .

وكذا الطلاق فيثبت الحرمة الغليظة بثنتين بخلاف المسألة الأولى ، لأن ثمة تعلق الطلاق بالعتق فيقع بعد ثبوت العتق ضرورة على ما بينا بخلاف العدة ; فإن وجوب العدة يتعقب الطلاق ; لأن الطلاق يصادفها وهي منكوحة ، ولا عدة على المنكوحة فلا يكون وجوبها مقارنا لوقوع الطلاق فكان عقيب الطلاق ضرورة ، وهي حرة في تلك الحالة فكانت عدتها عدة الحرائر والله عز وجل أعلم فإن قال لامرأته : أنت طالق غدا أو رأس شهر كذا أو في غد صح لوجود الملك وقت الإضافة ، والظاهر بقاؤه إلى الوقت المضاف إليه فصحت الإضافة ثم إذا جاء غد أو رأس الشهر فإن كانت المرأة في ملكه أو في العدة أو في أول جزء من الغد والشهر يقع الطلاق وإلا فلا كما في التعليق ، وعلى هذا يخرج ما إذا قال لامرأته : أنت طالق متى لم أطلقك وسكت أنها طلقت ; لأن متى للوقت فقد أضاف الطلاق إلى وقت لا يطلقها فيه فكما فرغ من هذه الألفاظ وسكت وجد هذا الوقت فيقع الطلاق .

وكذا إذا قال لها : أنت طالق ما لم أطلقك ; لأن معنى قوله ما لم أطلقك أي : في الوقت الذي لا أطلقك يقال في العرف : ما دمت تفعل كذا افعل كذا أي : في الوقت الذي تفعل .

وقال الله تعالى خبرا عن عيسى عليه الصلاة والسلام { وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا } أي : وقت حياتي فيصير كأنه قال : أنت طالق في الوقت الذي لا أطلقك ; فكما فرغ وسكت تحقق ذلك الوقت فيقع الطلاق ، ولو قال ذلك يطلقها موصولا بأن قال لها : أنت طالق ما لم أطلقك أنت طالق .

وذكر العبارتين الأخرتين فهي طالق هذه التطليقة دون التطليقة المضافة إلى زمان لا يطلقها فيه عند أصحابنا الثلاثة .

وكذا لو قال لها : أنت طالق ثلاثا ، ما لم أطلقك أنت طالق تقع هذه الطلقة لا غير عندنا ، وعند زفر يقع ثلاث تطليقات .

وجه قوله أنه أضاف الطلاق إلى وقت لا طلاق فيه وكما فرغ من [ ص: 134 ] قوله ما لم أطلقك قبل قوله : طالق وجد ذلك الوقت فيقع المضاف ، ولنا أن المضاف إليه وقت خال عن الطلاق ولما قال أنت طالق موصولا بالكلام الأول فلم يوجد وقت خال عن الطلاق ; لأن قوله أنت طالق بجملته طلاق ; لأنه كلام واحد لكونه مبتدأ وخبرا ، فلم يوجد بين الكلامين وقت لا طلاق فيه فلا يقع الطلاق المضاف لانعدام المضاف إليه والله عز وجل أعلم ، ولو قال : أنت طالق غدا .

وقال : عنيت آخر النهار لم يصدق في القضاء بالإجماع ، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى .

ولو قال أنت طالق في غد .

وقال عنيت في آخر النهار يصدق في القضاء في قول أبي حنيفة .

وقال أبو يوسف ومحمد : لا يصدق في القضاء وإنما يصدق فيما بينه وبين الله تعالى لا غير ، وإن لم يكن له نية يقع في أول جزء من الغد بلا خلاف .

وجه قولهما أن الغد اسم زمان ; والزمان إذا قرن بالفعل يصير ظرفا له ، سواء قرن به حرف الظرف وهو حرف في أو لم يقرن به ، فإن قول القائل كتبت في يوم الجمعة ، ويوم الجمعة سواء ، فكان ذكر حرف الظرف والسكوت عنه بمنزلة واحدة ، ولو لم يذكر ، ولو قال : أنت طالق غدا .

وقال : عنيت آخر النهار لم يصدق في القضاء ; ولهذا لو لم يكن له نية يقع في أول جزء من الغد ، ولأبي حنيفة أن ما كان من الزمان ظرفا للفعل حقيقة ; وهو أن يكون كله ظرفا له يذكر بدون حرف الظرف ، وما كان منه ظرفا له مجازا وهو أن يكون بعضه ظرفا له والآخر ظرف ظرفه يذكر مع حروف الظرف ، فلما قال : أنت طالق غدا بدون حرف الظرف فقد جعل الغد كله ظرفا للطلاق حقيقة ، وإنما يكون كله ظرفا للطلاق حقيقة إذا وقع الطلاق في أول جزء منه ، فإذا وقع في أول جزء منه يبقى حكما وتقديرا فيكون جميع الغد ظرفا له بعضه حقيقة وبعضه تقديرا أما إذا وقع الطلاق في آخر النهار لا يكون كل الغد ظرفا له ، بل يكون ظرف الظرف ، فإذا قال : عنيت آخر النهار فقد أراد العدول من الظاهر فيما يتهم فيه بالكذب فلا يصدق في القضاء ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى ; لأنه نوى ما يحتمله كلامه ، ولما قال : أنت طالق في غد فلم يجعل الغد كلمة ظرف للطلاق حقيقة ، بل جعله ظرف الظرف وبين أن الظرف الحقيقي للطلاق هو جزء من الغد .

وذلك غير معين فكان التعيين إليه ، فإذا قال : عنيت آخر النهار فقد عين فيصدق في التعيين ; لأنه نوى حقيقة كلامه ، ونظيره ما إذا قال : إن صمت في الدهر فعبدي حر فصام ساعة يحنث ، ولو قال : إن صمت الدهر لا يحنث إلا بصوم الأبد بالإجماع لما قلنا كذا هذا إلا أنه إذا لم ينو شيئا يقع الطلاق في أول جزء من الغد ; لأن الأجزاء قد تعارضت فترجح الأول منها احتياطا لثبوت الاستحقاق له من وجه الاحتمال أنه ذكر حرف الظرف لتأكيد ظرفية الغد لا لبيان أنه ظرف الظرف ; فترجح الجزء الأول على سائر الأجزاء عند استواء الكل في الجواز بثبوت الاستحقاق من وجه فيقع في الجزء الأول ، وقد خرج الجواب عن قولهما : إن دخول حرف الظرف في الغد وعدم الدخول سواء لأنا قد بينا أنهما يستويان والله عز وجل أعلم .

ولو قال لامرأته : أنت طالق اليوم وغدا يقع الطلاق في اليوم ; لأنه جعل الوقتين جميعا ظرفا لكونها طالقا ولن يكون الوقتان جميعا ظرفا إلا عند الوقوع في أولهما ; لأنه لو تأخر الوقوع إلى الغد لكان الظرف أحدهما ، ولو قال : أنت طالق اليوم غدا أو غدا اليوم ، يؤخذ بأول الوقتين الذي تفوه به ; لأنه في الأول أوقع الطلاق في اليوم ووصف اليوم بأنه غد وهو محال فلغا قوله : غدا وبقي قوله : اليوم فيقع الطلاق في اليوم ، وفي الثاني أضاف الطلاق إلى الغد ووصف الغد بأنه اليوم وهو محال فلغا قوله : اليوم وبقي قوله : غدا فيقع الطلاق في غد .

ولو قال لها : أنت طالق متى شئت أو متى ما شئت أو إذا شئت أو إذا ما شئت أو كلما شئت لا يقع الطلاق ما لم تشأ فإذا شاءت وقع ; لأنه أضاف الطلاق إلى وقت مشيئتها ووقت مشيئتها هو الزمان الذي توجد فيه مشيئتها فإذا شاءت فقد وجد ذلك الزمان فيقع ولا يقتصر هذا على المجلس بخلاف قوله : إن شئت وما يجري مجراه ; لأن هذا إضافة وذا تمليك لما نبين في موضعه .

التالي السابق


الخدمات العلمية