بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
ومنها الدخول من الزوج الثاني ، فلا تحل لزوجها الأول بالنكاح الثاني حتى يدخل بها ، وهذا قول عامة العلماء .

وقال سعيد بن المسيب تحل بنفس العقد واحتج بقوله تعالى { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } ، والنكاح هو العقد ، وإن كان يستعمل في العقد ، والوطء جميعا عند الإطلاق لكنه يصرف إلى العقد عند وجود القرينة وقد وجدت ; لأنه أضاف النكاح إلى المرأة بقوله تعالى { حتى تنكح زوجا غيره } ، والعقد يوجد منها كما يوجد من الرجل ، فأما الجماع فإنه يقوم بالرجل ، وحده ، والمرأة محله فانصرف إلى العقد بهذه القرينة فإذا وجد العقد تنتهي الحرمة بظاهر النص ولنا قوله تعالى { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } ، والمراد من النكاح : الجماع ; لأن النكاح في اللغة هو الضم حقيقة ، وحقيقة الضم في الجماع ، وإنما العقد سبب داع إليه فكان حقيقة للجماع مجازا للعقد مع ما أنا لو حملناه على العقد لكان تكرارا ; لأن معنى العقد يفيده ذكر الزوج فكان الحمل على الجماع أولى ، بقي قوله : أنه أضاف النكاح إليها .

والجماع مما تصح إضافته إلى الزوجين لوجود معنى الاجتماع منهما حقيقة ، فأما الوطء ففعل الرجل حقيقة لكن إضافة النكاح إليها من حيث هو ضم وجمع لا من حيث هو وطء ثم إن كان المراد من النكاح في الآية هو العقد فالجماع يضمر فيه ، عرفنا ذلك بالحديث المشهور وضرب من المعقول أما الحديث فما روينا عن عائشة رضي الله عنها { أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثا فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : إن رفاعة طلقني ، وبت طلاقي ; فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير ولم يكن معه إلا مثل هدبة الثوب ; فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا ، حتى تذوقي من عسيلته ، ويذوق من عسيلتك } .

وعن ابن عمر ، وأنس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث ولم يذكرا قصة امرأة رفاعة ، وهو ما روي عنهما { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ، وهو على المنبر عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها غيره فأغلق الباب ، وأرخى الستر ، وكشف الخمار ثم فارقها فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل للأول حتى تذوق عسيلة الآخر } .

وأما المعقول فهو أن الحرمة الغليظة إنما تثبت عقوبة للزوج الأول بما أقدم على الطلاق الثلاث الذي هو مكروه شرعا زجرا ، ومنعا له عن ذلك لكن إذا تفكر في حرمتها عليه إلا بزوج آخر - الذي تنفر منه الطباع السليمة ، وتكرهه - انزجر عن ذلك ، ومعلوم أن العقد بنفسه لا تنفر عنه الطباع ولا تكرهه إذ لا يشتد على المرأة مجرد النكاح ما لم يتصل به الجماع فكان الدخول شرطا فيه ليكون زجرا له ، ومنعا عن ارتكابه فكان الجماع مضمرا في الآية الكريمة كأنه قال - عز وجل : حتى تنكح زوجا غيره [ ص: 189 ] ويجامعها .

وأما الإنزال فليس بشرط للإحلال ; لأن الله تعالى جعل الجماع غاية الحرمة ، ، والجماع في الفرج هو التقاء الختانين فإذا وجد فقد انتهت الحرمة ، وسواء كان الزوج الثاني بالغا أو صبيا يجامع فجامعها أو مجنونا فجامعها لقوله تعالى { حتى تنكح زوجا غيره } من غير فصل بين زوج ، وزوج ; ولأن وطء الصبي والمجنون يتعلق به أحكام النكاح من المهر والتحريم كوطء البالغ العاقل ، وكذلك الصغيرة التي يجامع مثلها إذا طلقها زوجها ثلاثا ودخل بها الزوج الثاني حلت للأول لإطلاق قوله تعالى { فإن طلقها ، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } ; ولأن وطأها يتعلق به أحكام الوطء من المهر ، والتحريم فصار كوطء البالغة ، وسواء كان الزوج الثاني حرا أو عبدا قنا أو مدبرا أو مكاتبا بعد أن تزوج بإذن مولاه ، ودخل بها لقوله تعالى { حتى تنكح زوجا غيره } مطلقا من غير فصل ; ولأن أحكام النكاح تتعلق بوطء هؤلاء كما تتعلق بوطء الحر ، وكذا إذا كان مشلولا ينتشر له ، ويجامع لوجود الجماع في النكاح الصحيح ، وإنما الفائت هو الإنزال ، وذا ليس بشرط كالفحل إذا جامع ولم ينزل .

وأما المجبوب فإنه لا يحلها للأول ; لأنه لا يتحقق منه الجماع ، وإنما يوجد منه السحق ، والملاصقة ، والتحليل يتعلق بالجماع ، وأنه اسم لالتقاء الختانين ولم يوجد ، فلا تحل للأول ، وإن حملت امرأة المجبوب وولدت هل تحل للأول ؟ قال أبو يوسف : حلت للأول ، وكانت محصنة .

وقال زفر : لا تحل للأول ولا تكون محصنة ، وهو قول الحسن .

وجه قول زفر ظاهر ; لأن ثبوت النسب ليس بوطء حقيقة بل يقام مقام الوطء حكما ، والتحليل يتعلق حقيقة لا حكما كالخلوة فإنها لا تفيد الحل ، وإن أقيم مقام الوطء حكما كذا هذا ; ولأن النسب يثبت من صاحب الفراش مع كون المرأة زانية حقيقة لكونه مولودا على الفراش ، والتحليل لا يقع بالزنا ولأبي يوسف أن النسب ثابت منه ، وثبوت النسب حكم الوطء في الأصل فصار كالدخول سواء وطئها الزوج الثاني في حيض أو نفاس أو صوم أو إحرام لوجود الدخول في النكاح الصحيح ولو كانت كتابية تحت مسلم طلقها ثلاثا فنكحت كتابيا نكاحا يقران عليه لو أسلما ودخل بها فإنها تحل للزوج الأول لوجود الدخول في النكاح الصحيح في حقهم ; لأنهم يقرون عليه بعد الإسلام فصار كنكاح المسلمين ، وسواء كانت المرأة مطلقة من زوج واحد أو من زوجين أو أكثر من ذلك فالزوج الواحد إذا دخل بها تحل للزوجين أو أكثر من ذلك بأن طلق الرجل امرأته ثلاثا فتزوجت بزوج آخر فطلقها الثاني قبل أن يدخل بها ثلاثا ثم تزوجت زوجا ثالثا ، ودخل بها حلت للأولين لقوله تعالى { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } جعل الزوج الثاني منهيا للحرمة من غير فصل بين ما إذا حرمت على زوج واحد أو أكثر ثم وطء الزوج الثاني هل يهدم ما كان في ملك الزوج الأول من الطلاق لا خلاف في أنه يهدم الثلاث ، وهل يهدم ما دون الثلاث ؟ قال أبو حنيفة ، وأبو يوسف : يهدم .

وقال محمد لا يهدم ، وبه أخذ الشافعي ، وقد ذكرنا الحجج ، والشبه فيما تقدم .

وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثا فغابت عنه مدة ثم أتته فقالت : إني تزوجت زوجا غيرك ودخل بي وطلقني وانقضت عدتي قال محمد : لا بأس أن يتزوجها ، ويصدقها إذا كانت ثقة عنده أو وقع في قلبه أنها صادقة ; لأن هذا من باب الديانة ، وخبر العدل في باب الديانة مقبول رجلا كان أو امرأة ، كما في الإخبار عن طهارة الماء ، ونجاسته ، وكما في رواية الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن تزوجها ولم تخبره بشيء فلما وقع قالت : لم أتزوج زوجا غيرك أو قالت : تزوجت ولم يدخل بي ، أو قالت : قد خلا بي وجامعني فيما دون الفرج ، وكذبها الأول .

وقال : قد دخل بك الثاني ، لم يذكر هذا في ظاهر الرواية .

وذكر الحسن بن زياد أن القول قول المرأة في ذلك كله ; لأن هذا المعنى لا يعلم إلا من جهتها فكان القول قولها كما في الخبر عن الحيض ، والحبل ، وفيه إشكال ، وهو أنه إنما يجعل القول قولها إذا لم يسبق منها ما يكذبها ، وقد سبق منها ما يكذبها في قولها ، وهو إقدامها على النكاح من الزوج الأول ; لأن شيئا من ذلك لا يجوز إلا بعد التزوج بزوج آخر ، والدخول بها فكان فعلها مناقضا لقولها ، فلا يقبل ، وإن كان الزوج هو الذي قال لها لم تتزوجي أو قال لم يدخل بك الثاني .

وقالت المرأة قد دخل بي قال الحسن القول قول المرأة ، وهذا صحيح لما ذكرنا أن هذا إنما يعلم من جهتها ولم يوجد منها دليل التناقض فكان القول قولها ، قال ، ويفسد النكاح بقول الزوج ولها نصف [ ص: 190 ] المسمى إن كان لم يدخل بها ، والكل إن كان قد دخل بها ; لأن الزوج معترف بالحرمة وقوله فيما يرجع إلى الحرمة مقبول ; لأنه يملك إنشاء الحرمة فكان اعترافه بفساد النكاح بمنزلة إنشاء الفرقة فيقبل قوله فيه ولا يقبل في إسقاط حقها من المهر والله - عز وجل - أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية