بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
ولو كاتب الرجل عبدين له مكاتبة واحدة على ألف درهم على أن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه فهذه المسألة على ثلاثة أوجه : إما إن كاتبهما على مال وجعل كل واحد منهما كفيلا عن صاحبه .

وإما إن كاتبهما على مال ولم يجعل كل واحد منهما كفيلا عن صاحبه ، ولكنه قال : إن أديا عتقا ، وإن عجزا ردا في الرق ، وإما إن كاتبهما على مال ولم يكفل كل واحد منهما عن صاحبه ولم يقل أيضا إن أديا عتقا وإن عجزا ردا في الرق ، أما إذا كاتبهما على أن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه فالقياس أن لا تجوز هذه الكتابة وفي الاستحسان تجوز إذا قبلا .

وجه القياس أن هذه كتابة بشرط الكفالة ، وكفالة المكاتب عن غير المولى لا تصح ولأنه كفالة ببدل الكتابة ، والكفالة ببدل الكتابة باطلة ، وجه الاستحسان أن هذا ليس بكفالة في الحقيقة بل هو تعليق العتق بالأداء ، والمولى يملك تعليق عتقهما بأداء كل واحد منهما ولو فعل هكذا كان جائزا كذلك هذا .

وأما إذا كاتبهما على ألف درهم على أنهما إن أديا عتقا وإن عجزا ردا في الرق فكذلك الجواب في قول علمائنا الثلاثة ، وعند زفر كل واحد منهما مكاتب على حدة فأيهما أدى حصته يعتق ، وجه قوله : إن كل واحد منهما يلزمه كتابة نفسه خاصة فلا يجب عليه كتابة غيره ، ما لم يشترطا ولم يوجد الشرط ، ولنا أن المولى علق عتقهما بأداء الألف فما لم يوجد لا يقع العتق ، كما إذا قال لعبدين له إن دخلتما هذه الدار فأنتما حران ، فدخل أحدهما لا يعتق ما لم يدخلا جميعا ، فكذلك ههنا لا يعتق واحد منهما إلا بأداء الألف ، وإذا لم يعتق واحد منهما إلا بأداء الألف صار جميع الألف على كل واحد منهما فصار كما إذا كفل كل واحد منهما عن صاحبه ، ونظير هذا الاختلاف ما قالوا في كتاب الطلاق والعتاق : إن من قال لامرأتين له : إن شئتما فأنتما طالقان أو قال لعبدين له : إن شئتما فأنتما حران أنه على قول زفر أيهما شاء يعتق ، وانصرف مشيئة كل واحد منهما إلى عتق نفسه ، وطلاق نفسها ، وفي قول علمائنا الثلاثة ما لم توجد مشيئتهما جميعا في طلاقيهما جميعا أو في عتقيهما جميعا لا يعتق واحد منهما كذلك ههنا .

وأما الفصل الثالث ، وهو ما إذا كاتبهما على ألف درهم ولم يقل إن أديا عتقا وإن عجزا ردا في الرق فأيهما أدى حصته فإنه يعتق في قولهم جميعا ; لأنه لم يعلق عتقهما بأدائهما جميعا فانصرف نصيب كل واحد منهما إليه خاصة ، وصار كل واحد منهما مكاتبا على حدة ثم إذا كاتبهما كتابة واحدة فأدى أحدهما شيئا منه كان له أن يرجع على صاحبه بنصفه ، بخلاف ما إذا كان الدين على رجلين وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فأدى أحدهما شيئا ، أنه لا يرجع على صاحبه ما لم يجاوز النصف فإذا جاوز النصف يرجع على صاحبه بالزيادة ، وجه الفرق أن في مسألتنا هذه لو جعلنا أداء عن نفسه أدى ذلك إلى تغيير شرط المولى ; لأنه يعتق ، ومن شرط [ ص: 146 ] المولى عتقهما جميعا .

فإذا كان الأمر هكذا فكان أداؤه عن نفسه وعن صاحبه حتى لا يؤدي إلى تغير شرط المولى ، وهذا المعنى لم يوجد في تلك المسألة ، فإن أداءه عن نفسه لا يؤدي إلى تغير شرط المولى فكان أداؤه عن نفسه إلى النصف ; لأن نصف الدين عليه فإن مات أحد المكاتبين لا يسقط شيء من الكتابة ويؤخذ من الحي جميع الكتابة ، وبمثله لو أعتق أحدهما سقطت حصته ، ووجه الفرق بينهما أن الميت من أهل أن تكون عليه الكتابة ألا ترى أن المكاتب إذا مات عن وفاء يؤدى كتابته ؟ وكذا لو ترك ولدا تؤخذ منه الكتابة ؟ فأما المعتق فليس من أهل أن تجب عليه الكتابة ألا ترى أن المكاتب لو كان واحدا فأعتقه المولى بطلت عنه الكتابة ، وكذلك ههنا تبطل حصته والمولى بالخيار إن شاء أخذ بحصته المكاتب ، وإن شاء أخذ المعتق بحق الكفالة ، فإن أخذ المكاتب لا يرجع عليه ; لأنه أدى دين نفسه وإن أخذ المعتق وأدى رجع على المكاتب ; لأنه كفيله .

التالي السابق


الخدمات العلمية