بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
( والثالث ) - كثرة الفوائت ، وقال بشر المريسي : الترتيب لا يسقط بكثرة الفوائت حتى إن من ترك صلاة واحدة فصلى في جميع عمره وهو ذاكر للفائتة فصلاة عمره على الفساد ما لم يقض الفائتة .

( وجه ) قوله أن الدليل الموجب للترتيب لا يوجب الفصل بين قليل الفائت وكثيره ; ولأن كثرة الفوائت تكون عن كثرة تفريطه فلا يستحق به التخفيف .

( ولنا ) أن الفوائت إذا كثرت لو وجب مراعاة الترتيب معها لفاتت الوقتية عن الوقت ، وهذا لا يجوز ، لما ذكرنا أن فيه إبطال ما ثبت بالدليل المقطوع به بخبر الواحد ، ثم اختلف في حد أدنى الفوائت الكثيرة : في ظاهر الرواية أن تصير الفوائت ستا ، فإذا خرج وقت السادسة سقط الترتيب حتى يجوز أداء السابعة قبلها .

وروى ابن سماعة عن محمد هو أن تصير الفوائت خمسا ، فإذا دخل وقت السادسة سقط الترتيب حتى يجوز أداء السادسة وعن زفر أنه يلزمه مراعاة الترتيب في صلاة شهر ، ولم يرو عنه أكثر من شهر ، فكأنه جعل حد الكثرة أن يزيد على شهر .

( وجه ) ما روي عن محمد أن الكثير في كل باب كل جنسه ، كالجنون إذا استغرق الشهر في باب الصوم ، والصحيح جواب ظاهر الرواية ; لأن الفوائت لا تدخل في حد التكرار بدخول وقت السادسة ، وإنما تدخل بخروج وقت السادسة ; لأن كل واحدة منها تصير مكررة ، فعلى هذا لو ترك صلاة ثم صلى بعدها خمس صلوات وهو ذاكر للفائتة فإنه يقضيهن ; لأنهن في حد القلة بعد ، ومراعاة الترتيب واجبة عند قلة الفوائت ; لأنه يمكن جعل الوقت وقتا لهن على وجه لا يؤدي إلى إخراجه من أن يكون وقتا للوقتية ، فصار مؤديا كل صلاة منها في وقت المتروكة .

والمتروكة قبل المؤداة ، فصار مؤديا المؤداة قبل وقتها - فلم يجز ، وعلى قياس ما روي عن محمد يقضي المتروكة وأربعا بعدها ; لأن السادسة جائزة ، ولو لم يقضها حتى صلى السابعة فالسابعة جائزة بالإجماع ; لأن وقت السابعة وهي المؤداة السادسة لم يجعل وقتا للفوائت [ ص: 136 ] لأنه لو جعل وقتا لهن لخرج من أن يكون وقتا للوقتية لاستيعاب تلك الفوائت هذا الوقت وفيه إبطال العمل بالدليل المقطوع به بخبر الواحد على ما بينا ، فبقي وقتا للوقتية ، فإذا أداها حكم بجوازها لحصولها في وقتها ، بخلاف ما إذا كانت المؤديات بعد المتروكة خمسا ; لأن هناك أمكن أن يجعل الوقت وقتا للفائتة على وجه لا يخرج من أن يكون وقتا للوقتية فيجعل عملا بالدليلين ، ثم إذا صلى السابعة تعود المؤديات الخمس إلى الجواز في قول أبي حنيفة وعليه قضاء الفائتة وحدها استحسانا ، وعلى قولهما عليه قضاء الفائتة وخمس صلوات بعدها ، وهو القياس ، وعلى هذا إذا ترك خمس صلوات ثم صلى السادسة وهو ذاكر للفوائت فالسادسة موقوفة عند أبي حنيفة ، حتى لو صلى السابعة تنقلب السادسة إلى الجواز عنده ، وعليه قضاء الخمس وعندهما لا تنقلب وعليه قضاء الست .

وكذلك لو ترك صلاة ثم صلى شهرا وهو ذاكر للفائتة فعليه قضاؤها لا غير عند أبي حنيفة ، وعندهما عليه قضاء الفائتة وخمس بعدها ، إلا على قياس ما روي عن محمد أن عليه قضاء الفائتة وأربع بعدها ، وعلى قول زفر يعيد الفائتة وجميع ما صلى بعدها من صلاة الشهر ، وهذه المسألة التي يقال لها : " واحدة تصحح خمسا وواحدة تفسد خمسا " ; لأنه إن صلى السادسة قبل القضاء صح الخمس عند أبي حنيفة ، وإن قضى المتروكة قبل أن يصلي السادسة فسدت الخمس .

( وجه ) قولهما أن كل مؤداة إلى الخمس حصلت في وقت المتروكة ; لأنه يمكن جعل ذلك الوقت وقتا للمتروكة لكون المتروكة في حد القلة ، ووقت المتروكة قبل وقت هذه المؤداة ، فحصلت المؤداة قبل وقتها ففسدت ، فلا معنى بعد ذلك للحكم بجوازها ولا للحكم بتوقفها للحال .

( وأما ) وجه قول أبي حنيفة فقد اختلف فيه عبارات المشايخ ، قال مشايخ بلخ : إنا وجدنا صلاة بعد المتروكة جائزة وهي السادسة .

وقد أداها على نقص التركيب وترك التأليف ، فكذا يحكم بجواز ما قبلها وإن أداها على ترك التأليف ونقص التركيب ، وهذه نكتة واهية ; لأنه جمع بين السادسة وبين ما قبلها في الجواز من غير جامع بينهما ، بل مع قيام المعنى المفرق ، لما ذكرنا أن وقت السادسة ليس بوقت للمتروكة على ما قررنا ، ووقت كل صلاة مؤداة قبل السادسة وقت للمتروكة ، فكان أداء السادسة أداء في وقتها فجازت ، وأداء كل مؤداة أداء قبل وقتها فلم تجز .

( وقال ) مشايخ العراق : إن الكثرة علة سقوط الترتيب ، فإذا أدى السادسة فقد ثبتت الكثرة وهي صفة للكل لا محالة ، فاستندت إلى أول المؤديات فنستند لحكمها فيثبت الجواز للكل ، وهذه نكتة ضعيفة أيضا ; لأن الكثرة وإن صارت صفة للكل لكنها تثبت للحال إلا أن يتبين أن أول المؤديات كما أديت تثبت لها صفة الكثرة قبل وجود ما يتعقبها لاستحالة كثرة الوجود بما هو في حيز العدم بعد ، ولو اتصفت هي بالكثرة ، ولا تتصف الذات بها وحدها لاستحالة كون الواحد كثيرا بما يتعقبها من المؤديات ، وتلك معدومة فيؤدي إلى اتصاف المعدوم بالكثرة وهو محال ، فدل أن صفة الكثرة تثبت للكل مقتصرا على وجود الأخيرة منها ، كما إذا خلق الله - تعالى - جوهرا واحدا لم يتصف بكونه مجتمعا ، فلو خلق منضما إليه جوهر آخر لا يطلق اسم المجتمع على كل واحد منهما مقتصرا على الحال لما بينا فكذا هذا ، على أنا إن سلمنا هذه الدعوى الممتنعة على طريق المساهلة فلا حجة لهم فيها أيضا ; لأن المؤداة الأولى وإن اتصفت بالكثرة من وقت وجودها لكن لا ينبغي أن يحكم بجوازها وسقوط الترتيب ; لأن سقوط الترتيب كان متعلقا لمعنى وهو استيعاب الفوائت وقت الصلاة ، وتفويت الوقتية عن وقتها عند وجوب مراعاة الترتيب فلم تجب المراعاة لئلا يؤدي إلى إبطال ما ثبت بالدليل المقطوع به بما ثبت بخبر الواحد ، وهذا المعنى منعدم في المؤديات الخمس ، وإن اتصفت بالكثرة ، ولأن هذا يؤدي إلى الدور ، فإن الجواز وسقوط الترتيب بسبب صفة كثرة الفوائت ، ومتى حكم بالجواز لم تبق كثرة الفوائت فيجيء الترتيب ، ومتى جاء الترتيب جاء الفساد ، فلا يمكن القول بالجواز ، فثبت أن الوجهين غير صحيحين .

والوجه الصحيح لتصحيح مذهب أبي حنيفة ما ذكره الشيخ الإمام أبو المعين وهو أن أداء السادسة من المؤديات حصل في وقت هو وقتها بالدلائل أجمع وليس بوقت للفائتة بوجه من الوجوه ، لما ذكرنا أن في جعل هذا الوقت وقتا للفائتة إبطال العمل بالدليل المقطوع به فسقط العمل بخبر الواحد أصلا ، وانتهى ما هو وقت الفائتة ، فإذا قضيت الفائتة بعد [ ص: 137 ] أداء السادسة من المؤديات التحقت بمحلها الأصلي وهو وقتها الأصلي ; لأنها لا بد لها من محل فالتحاقها بمحلها أولى لوجهين : أحدهما - أنه لا مزاحم لها في ذلك الوقت ; لأنه وقت متعين له ، وله في هذا الوقت مزاحم ; لأنه وقت خمس صلوات ، وليس البعض في القضاء في هذا الوقت أولى من البعض ، فالتحاقها بوقت لا مزاحم لها فيه أولى .

( والثاني ) - أن ذلك وقته بالدليل المقطوع به ، وهذا وقت غيره بالدليل المقطوع به ، وإنما يجعل وقتا له بخبر الواحد فيرجح ذلك على هذا فالتحقت بمحلها الأصلي حكما ، والثابت حكما كالثابت حقيقة ، وإذا التحقت بمحلها الأصلي تبين أن الخمس المؤديات أديت في أوقاتها فحكم بجوازها ، بخلاف ما إذا قضيت المتروكة قبل أداء السادسة ; لأنها قضيت في وقت هو وقتها من حيث الظاهر ; لأن خبر الواحد أوجب كونه وقتا لها ، فإذا قضيت فيما هو وقتها ظاهرا تتقرر فيه ولا تلتحق بمحلها الأصلي فلم يتبين أن المؤديات الخمس أديت بعد الفائتة ، بل تبين أنها أديت قبل الفائتة لاستقرار الفائتة بمحل قضائها وعدم التحاقها بمحلها الأصلي ، فحكم بفساد المؤديات ، وبخلاف حال النسيان وضيق الوقت إذا أدى الوقتية ثم قضى الفائتة ، حيث لا تجب إعادة الوقتية ، ولو التحقت الفائتة بمحلها الأصلي لوجب إعادة الوقتية ; لأنه تبين أنها حصلت قبل وقت الفائتة ; لأن هناك المؤدى حصل في وقت هو وقت لها من جميع الوجوه على ما مر ، فأداء الفائتة بعد ذلك لا يخرج هذا الوقت من أن يكون وقتا للمؤداة ، فتقررت المؤداة في محلها من جميع الوجوه ، والتحقت الفائتة في حق المؤداة بصلاة وقتها بعد وقت المؤداة فلم يؤثر ذلك في إفساد المؤداة ، وهذا بخلاف ما إذا قام المصلي وقرأ وسجد ثم ركع حيث لم يلتحق الركوع بمحله وهو قبل السجود حتى كان لا يجب إعادة السجود ، ومع ذلك لم يلتحق حتى يجب إعادة السجود ; لأن الشيء إنما يجعل حاصلا في محله أن لو وجد شيء آخر في محله بعده ووقع ذلك الشيء معتبرا في نفسه ، فإذا حصل هذا التحق بمحله ، وهناك السجود وقع قبل أوانه فما وقع معتبرا ، فلغا ، فبعد ذلك كان الركوع حاصلا في محله ، فلا بد من تحصيل السجدة بعد ذلك في محلها ، والله الموفق .

( وقالوا ) فيمن ترك صلوات كثيرة مجانة ثم ندم على ما صنع واشتغل بأداء الصلوات في مواقيتها قبل أن يقضي شيئا من الفوائت ، فترك صلاة ثم صلى أخرى وهو ذاكر لهذه الفائتة الحديثة - أنه لا يجوز ، ويجعل الفوائت الكثيرة القديمة كأنها لم تكن ، ويجب عليه مراعاة الترتيب ، والقياس أن يجوز ; لأن الترتيب قد سقط عنه لكثرة الفوائت ، وتضم هذه المتروكة إلى ما مضى ، إلا أن المشايخ استحسنوا فقالوا : إنه لا يجوز احتياطا زجرا للسفهاء عن التهاون بأمر الصلاة ، ولئلا تصير المقضية وسيلة إلى التخفيف ، ثم كثرة الفوائت كما تسقط الترتيب في الأداء تسقطه في القضاء ; لأنها لما عملت في إسقاط الترتيب في غيرها فلأن تعمل في نفسها أولى ، حتى لو قضى فوائت الفجر كلها ، ثم الظهر كلها ، ثم العصر كلها هكذا - جاز وروى ابن سماعة عن محمد فيمن ترك صلاة يوم وليلة وصلى من الغد مع كل صلاة صلاة قال : الفوائت كلها جائزة سواء قدمها أو أخرها .

وأما الوقتية فإن قدمها لم يجز شيء منها ; لأنه متى صلى واحدة منها صارت الفوائت ستا ، لكنه متى قضى فائتة بعدها عادت خمسا ثم ، وثم فلا تعود إلى الجواز ، وإن أخرها لم يجز شيء منها إلا العشاء الأخيرة ; لأنه كلما قضى فائتة عادت الفوائت أربعا وفسدت الوقتية ، إلا العشاء ; لأنه صلاها وعنده أن جميع ما عليه قد قضاه فأشبه الناسي .

( وأما ) الترتيب في أفعال الصلاة فإنه ليس بشرط عند أصحابنا الثلاثة ، وعند زفر شرط ، وبيان ذلك في مسائل : إذا أدرك أول صلاة الإمام ثم نام خلفه أو سبقه الحدث فسبقه الإمام ببعض الصلاة ، ثم انتبه من نومه أو عاد من وضوئه - فعليه أن يقضي ما سبقه الإمام به ثم يتابع إمامه لما يذكر ، ولو تابع إمامه أولا ثم قضى ما فاته بعد تسليم الإمام جاز عندنا ، وعند زفر لا يجوز ، وكذلك إذا زحمه الناس في صلاة الجمعة والعيدين فلم يقدر على أداء الركعة الأولى مع الإمام بعد الاقتداء به ، وبقي قائما ، وأمكنه أداء الركعة الثانية مع الإمام قبل أن يؤدي الأولى ، ثم قضى الأولى بعد تسليم الإمام أجزأه عندنا ، وعند زفر لا يجزئه ، وكذلك لو تذكر سجدة في الركوع وقضاها ، أو سجدة في السجدة وقضاها - فالأفضل أن يعيد الركوع أو السجود الذي هو فيهما .

ولو اعتد بهما ولم يعد أجزأه عندنا ، وعند زفر لا يجوز له أن يعتد بهما وعليه إعادتهما .

( وجه ) قول زفر أن المأتي به في هذه المواضع وقع في غير محله [ ص: 138 ] فلا يقع معتدا به ، كما إذا قدم السجود على الركوع وجب عليه إعادة السجود لما قلنا ، كذا هذا .

( ولنا ) قول النبي صلى الله عليه وسلم { ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا } ، والاستدلال به من وجهين : أحدهما - أنه أمر بمتابعة الإمام فيما أدرك بحرف الفاء المقتضي للتعقيب بلا فصل ، ثم أمر بقضاء الفائتة ، والأمر دليل الجواز ، ولهذا يبدأ المسبوق بما أدرك الإمام فيه لا بما سبقه ، وإن كان ذلك أول صلاته وقد أخره ، والثاني - أنه جمع بينهما في الأمر بحرف الواو ، وأنه للجمع المطلق ، فأيهما فعل يقع مأمورا به فكان معتدا به ، إلا أن المسبوق صار مخصوصا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : { سن لكم معاذ سنة حسنة فاستنوا بها } ، والحديث حجة في المسألتين الأوليين بظاهره ، وبضرورته في المسألة الثالثة ; لأن الركوع والسجود من أجزاء الصلاة ، فإسقاط الترتيب في نفس الصلاة إسقاط فيما هو من أجزائها ضرورة ، إلا أنه لا يعتد بالسجود قبل الركوع ; لأن السجود لتقييد الركعة بالسجدة ، وذلك لا يتحقق قبل الركوع على ما يذكر في سجود السهو - إن شاء الله تعالى - هذا الذي ذكرنا بيان شرائط أركان الصلاة وهي الشرائط العامة التي تعم المنفرد والمقتدي جميعا ، ( فأما ) الذي يخص المقتدي وهو شرائط جواز الاقتداء بالإمام في صلاته فالكلام فيه في موضعين : أحدهما - في بيان ركن الاقتداء ، والثاني في بيان شرائط الركن .

( وأما ) ركنه فهو نية الاقتداء بالإمام وقد ذكر تفسيرها فيما تقدم .

التالي السابق


الخدمات العلمية