بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
( وأما ) إذا كان ميتا فلا خلاف في أن لولده ذكرا كان أو أنثى ، ولابن ابنه ، وبنت ابنه وإن سفلوا ، ولوالده وإن علا ، أن يخاصم القاذف في القذف ; لأن معنى القذف : هو إلحاق العار بالمقذوف ، والميت ليس بمحل لإلحاق العار به ، فلم يكن معنى القذف راجعا إليه بل إلى فروعه وأصوله ; لأنه يلحقهم العار بقذف الميت ; لوجود الجزئية والبعضية ، وقذف الإنسان يكون قذفا لأجزائه فكان القذف بهم من حيث المعنى فيثبت لهم حق الخصومة ; لدفع العار عن أنفسهم ، بخلاف ما إذا كان المقذوف حيا وقت القذف ، ثم مات - أنه ليس للولد والوالد حق الخصومة بل يسقط ; لأن القذف أضيف إليه وهو كان محلا قابلا للقذف صورة ومعنى بإلحاق العار به ; فانعقد القذف موجبا حق الخصومة له خاصة ، فلو انتقل إلى ورثته لانتقل إليهم بطريق الإرث ، وهذا الحد لا يحتمل الإرث - لما نذكر - فسقط ضرورة ، ولا خلاف في أن الإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات لا يملكون الخصومة ; لأن العار لا يلحقهم ; لانعدام الجزئية والبعضية فالقذف لا يتناولهم لا صورة ولا معنى ، وكذا ليس لمولى العتاقة ولاية الخصومة ; لأن القذف لم يتناوله صورة ومعنى بإلحاق العار به ، واختلف أصحابنا رضي الله عنهم في أولاد البنات أنهم هل يملكون الخصومة ؟ عندهما يملكون ، وعند محمد لا يملكون .

( وجه ) قوله أن ولد البنت ينسب إلى أبيه لا إلى جده فلم يكن مقذوفا معنى بقذف جده .

( ولهما ) أن معنى الولاد موجود والنسبة الحقيقية ثابتة بواسطة أمه ; فصار مقذوفا معنى فيملك الخصومة .

وهل يراعى فيه الترتيب بتقديم الأقرب على الأبعد ؟ قال أصحابنا الثلاثة : لا يراعى والأقرب والأبعد سواء فيه ، حتى كان لابن الابن أن يخاصم فيه مع قيام الابن الصلبي .

وعند زفر - رحمه الله - يراعى فيه الترتيب وتثبت للأقرب فالأقرب ، وليس للأبعد حق الخصومة والمطالبة بالقذف لإلحاق العار بالمخاصم ، ولا شك أن عار الأقرب يزيد على الأبعد فكان أولى بالخصومة .

( ولنا ) أن هذا الحق ليس يثبت بطريق الإرث على معنى أنه يثبت الحق للميت ، ثم ينتقل إلى الورثة بل يثبت لهم ابتداء لا بطريق الانتقال من الميت إليهم ; لما ذكرنا أن الميت بالموت خرج عن احتمال لحوق العار به فلم يكن ثبوت الحق لهم بطريق الإرث ، فلا يراعى فيه الأقرب والأبعد ، وكذا لا يراعى فيه إحصان المخاصم ، بل الشرط إحصان المقذوف عند أصحابنا الثلاثة ، حتى لو كان الولد أو الوالد عبدا أو ذميا - فله حق الخصومة .

وقال زفر - رحمه الله : إحصان المخاصم شرط ، وليس للعبد ولا الكافر أن يخاصم .

( وجه ) قوله أن إثبات حق الخصومة له لصيرورته مقذوفا معنى بإضافة القذف إلى الميت ، ولو أضيف إليه القذف ابتداء - لا يجب الحد فههنا أولى .

( ولنا ) أن الحد لا يجب لعين القذف بل للحوق عار كامل بالمقذوف ، وإن كان الميت محصنا فقد لحق الولد عار كامل فلا يشترط إحصانه ; لأن اشتراطه للحوق عار كامل به ، وقد لحقه بدونه ولو كان الوارث قتله حتى حرم الميراث - فله أن يخاصم ; لما ذكرنا أن هذا الحق لا يثبت بطريق الإرث ، ولو قذف رجل أم ابنه وهي ميتة - فليس للولد أن يخاصم أباه ; لأن الأب لو قذف ولده وهو حي محصن - ليس للولد أن يخاصم أباه ; تعظيما له ، ففي قذف الأم الميتة أولى .

وكذلك المولى إذا قذف أم عبده وهي حرة ميتة - فليس للعبد أن يخاصم مولاه في القذف ; لأنه عبد مملوك لا يقدر على شيء ، والله - تعالى - أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية