بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
وأما بيان ما يملكه الإمام من التصرف في الغنائم ، فجملة الكلام فيه أنه إذا ظهر الإمام على بلاد أهل الحرب فالمستولى عليه لا يخلو من أحد أنواع ثلاثة : المتاع ، والأراضي ، والرقاب ، أما المتاع : فإنه يخمس ويقسم الباقي بين الغانمين ، ولا خيار للإمام فيه .

وأما الأراضي فللإمام فيها خياران إن شاء خمسها ويقسم الباقي بين الغانمين لما بينا ، وإن شاء تركها في يد أهلها بالخراج وجعلهم ذمة إن كانوا بمحل الذمة ، بأن كانوا من أهل الكتاب أو من مشركي العجم ، ووضع الجزية على رءوسهم والخراج على أراضيهم وهذا عندنا ، وعند [ ص: 119 ] الشافعي - رحمه الله - ليس للإمام أن يترك الأراضي في أيديهم بالخراج بل يقسمها .

( وجه ) قوله أن الأراضي صارت ملكا للغزاة بالاستيلاء ، فكان الترك في أيديهم إبطالا لملك الغزاة فلا يملكه الإمام كالمتاع .

( ولنا ) إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإن سيدنا عمر رضي الله عنه لما فتح سواد العراق ترك الأراضي في أيديهم ، وضرب على رءوسهم الجزية ، وعلى أراضيهم الخراج بمحضر من الصحابة الكرام رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر ، فكان ذلك إجماعا منهم .

وأما الرقاب فالإمام فيها بين خيارات ، ثلاث ، إن شاء قتل الأسارى منهم ، وهم الرجال المقاتلة ، وسبى النساء والذراري ; لقوله تبارك وتعالى { فاضربوا فوق الأعناق } وهذا بعد الأخذ والأسر ; لأن الضرب فوق الأعناق هو الإبانة من المفصل ، ولا يقدر على ذلك حال القتال ، ويقدر عليه بعد الأخذ والأسر وروي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استشار الصحابة الكرام رضي الله عنهم في أسارى بدر ، فأشار بعضهم إلى الفداء ، وأشار سيدنا عمر رضي الله عنه إلى القتل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو جاءت من السماء نار ما نجا إلا عمر } .

أشار عليه الصلاة والسلام إلى أن الصواب كان هو القتل وكذا روي أنه عليه الصلاة والسلام أمر بقتل عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث يوم بدر ، وبقتل هلال بن خطل ومقيس بن صبابة يوم فتح مكة ، ولأن المصلحة قد تكون في القتل لما فيه من استئصالهم ، فكان للإمام ذلك ، وإن شاء استرق الكل فخمسهم وقسمهم ، لأن الكل غنيمة حقيقة لحصولها في أيديهم عنوة وقهرا بإيجاف الخيل والركاب ، فكان له أن يقسم الكل إلا رجال مشركي العرب والمرتدين ، فإنهم لا يسترقون عندنا ، بل يقتلون أو يسلمون وعند الشافعي - رحمه الله - يجوز استرقاقهم .

( وجه ) قوله أنه يجوز استرقاق مشركي العجم ، وأهل الكتاب من العجم ، والعرب فكذا استرقاق مشركي العرب ، والمرتدين ، وهذا لأن للاسترقاق حكم الكفر ، وهم في الكفر سواء ، فكانوا في احتمال الاسترقاق سواء .

( ولنا ) قوله - سبحانه وتعالى - { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } إلى قوله - سبحانه وتعالى - { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } ولأن ترك القتل بالاسترقاق في حق أهل الكتاب ومشركي العجم ; للتوسل إلى الإسلام ومعنى الوسيلة لا يتحقق في حق مشركي العرب والمرتدين على نحو ما بينا من قبل وأما النساء والذراري منهم فيسترقون كما يسترق نساء مشركي العجم وذراريهم ; لأن النبي عليه الصلاة والسلام استرق نساء هوازن وذراريهم ، وهم من صميم العرب .

وكذا الصحابة استرقوا نساء المرتدين من العرب وذراريهم ، وإن شاء من عليهم وتركهم أحرارا بالذمة ، كما فعل سيدنا عمر رضي الله عنه بسواد العراق إلا مشركي العرب والمرتدين ، فإنه لا يجوز تركهم بالذمة وعقد الجزية ، كما لا يجوز بالاسترقاق لما بينا ، ولو شهدوا بشهادة قبل أن يجعلهم الإمام ذمة لم تجز شهادتهم ; لأنهم أهل الحرب ، فإن جعلهم ذمة فأعادوا الشهادة جازت ; لأن شهادة أهل الذمة مقبولة في الجملة ، فأما شهادة أهل الحرب فغير مقبولة أصلا ، وليس للإمام أن يمن على الأسير فيتركه من غير ذمة ، لا يقتله ولا يقسمه ; لأنه لو فعل ذلك لرجع إلى المنعة فيصير حربا علينا ، فإن قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم من على الزبير بن باطال من بني قريظة .

وكذا من على أهل خيبر فالجواب أنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم من على الزبير ولم يقتله إما لأنه لم يثبت أنه ترك بالجزية أم بدونها ، فاحتمل أنه تركه بالجزية وبعقد الذمة وأما أهل خيبر فقد كانوا أهل الكتاب فتركهم ومن عليهم ليصيروا كرة للمسلمين ، ويجوز المن لذلك لأن ذلك في معنى الجزية ، فيكون تركا بالجزية من حيث المعنى .

التالي السابق


الخدمات العلمية