بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
( فصل ) :

وأما بيان ما يملكه المأذون من التصرف ، وما لا يملكه فنقول - وبالله تعالى التوفيق - كل ما كان من باب التجارة أو توابعها أو ضروراتها يملكه المأذون وما لا فلا ; لأن كل ذلك داخل في الإذن بالتجارة فيملك الشراء والبيع بالنقد والنسيئة والعروض ; لأن كل ذلك من التجارة ومن عادة التجار ، وكذلك يملك البيع والشراء بغبن يسير بالإجماع ; لأنه من التجارة ولا يمكن التحرز عنه حتى ملكه الأب والوصي ، وكذا بالغبن الفاحش عند أبي حنيفة رضي الله عنه ، وعندهما لا يملك .

( وجه ) قولهما أن البيع بغبن فاحش في معنى التبرع ألا يرى أنه لو فعله المريض يعتبر من الثلث كما في سائر التبرعات والمأذون لا يملك التبرع .

( وجه ) قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن هذا بيع وشراء على الإطلاق ; لوقوع اسم الشراء والبيع عليه مطلقا فكان تجارة مطلقة فدخلت تحت الإذن بالتجارة ثم فرق أبو حنيفة - رحمه الله - بين المأذون وبين الوكيل حيث سوى بين البيع والشراء في المأذون وفرق بينهما في الوكيل حيث قال : إن المأذون يملك البيع والشراء بالغبن الفاحش والوكيل لا يملك الشراء بالغبن الفاحش بالإجماع .

( ووجه ) الفرق له أن امتناع جواز الشراء بالغبن الفاحش في باب الوكالة لمكان التهمة لجواز أنه اشترى لنفسه فلما ظهر الغبن أظهر الشراء لموكله فلم يجز للتهمة حتى أن الوكيل لو كان وكل بشراء شيء بعينه ينفذ على الموكل لانعدام التهمة ; لأنه لا يملك الشراء لنفسه ومعنى التهمة لا يتقدر في المأذون ; لأنه لا يملك الشراء لنفسه فاستوى فيه البيع والشراء .

وهل يملك المأذون أن [ ص: 195 ] يبيع شيئا من مولاه ، فإن لم يكن عليه دين لا يتصور البيع من المولى لاستحالة بيع مال الإنسان منه ، وإن كان عليه دين ، فإن باعه بمثل قيمته أو أكثر جاز ، وإن باعه بأقل من قيمته لم يجز عند أبي حنيفة أصلا ، وعندهما لا يجوز بقدر المحاباة ، وكذلك لو باع المولى شيئا منه ، فإن لم يكن عليه دين لم يكن بيعا لما قلنا ، وإن كان عليه دين ، فإن باعه بمثل قيمته أو بأقل من قيمته جاز ، وإن باعه بأكثر من قيمته لم يجز البيع عند أبي حنيفة ، وعندهما يجوز وتبطل الزيادة ، وعلى هذا إذا اشترى المولى دارا بجنب دار العبد إن لم يكن على العبد دين فالشفعة له ; لأنه إذا لم يكن عليه دين فالدار التي في يد العبد خالص ملك المولى فلو أخذها بالشفعة لأخذها هو فكيف يأخذ ملك نفسه بالشفعة من نفسه وإن كان على العبد دين فله أن يأخذها بالشفعة ، ولو اشترى العبد دارا بجنب دار المولى ، فإن لم يكن على العبد دين فلا حاجة للمولى إلى الأخذ بالشفعة ; لأنها خالص ملكه ، وإن كان عليه دين فله أن يأخذها بالشفعة ، وكذلك الصبي المأذون في الشراء والبيع بالنقد والنسيئة والعروض والغبن اليسير والبيع بالغبن الفاحش بمنزلة العبد المأذون على الاتفاق والاختلاف ، وهذا إذا باع من أجنبي أو اشترى منه ، فإن باع من أبيه شيئا أو اشترى منه ، فإن باع بمثل القيمة أو أكثر واشترى بمثل القيمة أو أقل جاز ، ولو كان فيه غبن ، فإن كان مما يتغابن الناس فيه جاز ; لأن الاحتراز عنه غير ممكن ، وإن كان مما لا يتغابن الناس فيه لم يجز ; لأنه يتصرف بولاية مستفادة من قبل أبيه كأنه نائبه في التصرف فصار كما لو اشترى الأب شيئا من مال ابنه بنفسه لنفسه أو اشترى شيئا من ماله بنفسه لابنه الصغير كان الجواب فيه هكذا كذا هذا .

ولو باع من وصيه أو اشترى منه فإن لم يكن فيهما نفع ظاهر له لا يجوز بالإجماع ، وإن كان فيهما نفع ظاهر ، فإن كان بأكثر من قيمته بما لا يتغابن الناس في مثله فكذلك عند محمد - رحمه الله - وعندهما يجوز وللمأذون أن يسلم فيما يجوز فيه السلم ويقبل السلم فيه ; لأن السلم من قبل المسلم إليه بيع الدين بالعين ومن قبل رب السلم شراء الدين بالعين ، وكل ذلك تجارة ، وله أن يوكل غيره بالبيع والشراء ; لأن ذلك من عادات التجار ، أو التاجر لا يمكنه أن يتولى ذلك كله بنفسه فكان توكيله فيه من أعمال التجارة ، وكذا له أن يتوكل عن غيره بالبيع بالإجماع وتكون العهدة عليه ، ولو توكل عن غيره بالشراء ينظر إن وكله أن يشتري أشياء بالنقد جاز استحسانا دفع إليه الثمن أو لم يدفع وتكون العهدة عليه ، والقياس أن لا تجوز هذه الوكالة .

( ووجهه ) أنها لو جازت للزمته العهدة وهي تسليم الثمن فيصير في معنى الكفيل بالثمن ، ولا تجوز كفالته فلا تجوز وكالته .

( وجه ) الاستحسان أن التوكيل بالشراء بالنقد في معنى التوكيل بالبيع ألا ترى أنه لا يجب عليه تسليم المبيع فكان هذا في معنى البيع لا في معنى الكفالة ، ولو توكل عن غيره بشراء شيء نسيئة فاشترى لم يجز حتى كان الشراء للعبد دون الآخر ; لأن الثمن إذا كان نسيئة لا يملك حبس المشتري لاستيفائه بل يلزمه التسليم إلى الموكل فكانت وكالته في هذه الصورة التزام الثمن فكانت كفالة معنى فلا يملكها المأذون ، وله أن يستأجر إنسانا يعمل معه أو مكانا يحفظ فيه أمواله أو دواب يحمل عليها أمتعته ; لأن استئجار هذه الأشياء من توابع التجارة وكذا له أن يؤاجر الدواب والرقيق ونفسه لما قلنا ، ولأن الإجارة من التجارة حتى كان الإذن بالإجارة إذنا بالتجارة ، وله أن يرهن ويرتهن ويعير ويودع ويقبل الوديعة ; لأن ذلك كله من عادات التجار ويحتاج إليه التاجر أيضا ، وله أن يدفع المال مضاربة ويأخذ من غير مضاربة لما قلنا ، ولأن الأخذ والدفع من باب الإجارة والاستئجار ، والمأذون يملك ذلك كله وله أن يشارك غيره شركة عنان ; لأنها من صنيع التجار ويحتاج إليه التاجر ، وليس له أن يشارك شركة مفاوضة ; لأن المفاوضة تتضمن الكفالة له ، ولا يملك الكفالة فلا يملك المفاوضة فإذا فاوض تنقلب شركة عنان ; لأن هذا حكم فساد المفاوضة ، ولو اشترك عبدان مأذونان شركة عنان على أن يشتريا بالنقد والنسيئة جاز ما اشتريا بالنقد ، وما اشتريا بالنسيئة فهو له خاصة ; لأن الشركة تتضمن الوكالة .

وقد ذكرنا أنه يجوز أن يتوكل المأذون عن غيره بالشراء نقدا ، ولا يجوز أن يتوكل لغيره بالشراء نسيئة ويملك الإقرار بالدين ; لأن هذا من ضرورات التجارة إذ لو لم يملك لامتنع الناس عن مبايعته خوفا من تواء أموالهم بالإنكار عند تعذر إقامة البينة فكان إقراره بالدين من ضرورات التجارة فيصح ويملك الإقرار بالعين ; لأن العادة قد جرت بشراء [ ص: 196 ] كثير من الأشياء بظروفها فلو علم الناس أنه لا يصح إقراره بالعين لامتنعوا عن تسليم الأعيان إليه فلا يلتئم أمر التجارة ولا يملك الإقرار بالجناية ; لأن الإقرار بالجناية ليس من ضرورات التجارة فلا يتناوله الإذن بالتجارة فلا يصح منه ولا يطالب بها بعد العتاق أيضا ; لأن موجب الجناية يلزم المولى دون العبد فكان ذلك شهادة على المولى لا إقرارا على نفسه فلم يصح أصلا إلا إذا صدقه المولى فيجوز عليه ، ولا يجوز على الغرماء .

وهل يصح إقراره بافتضاض أمة بأصبعه غصبا قال أبو حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما - لا يصح وقال أبو يوسف - رحمه الله - يصح سواء كان عليه دين أو لا ويضرب مولى الأمة مع الغرماء في ثمن العبد ، وهذا الخلاف مبني على أن هذا الإقرار بالجناية أم بالمال ، فعندهما هذا إقرار بالجناية فلا يصح من غير تصديق المولى ، وعنده هذا إقرار بالمال فيصح من غير تصديقه ، وعلى هذا إذا أقر بمهر وجب عليه بنكاح جائز أو فاسد أو شبهة ، فإن لم يصدقه المولى لم يصح إقراره حتى لا يؤاخذ به للحال ; لأن المهر يجب بالنكاح ، وأنه ليس بتجارة ولا هو في معنى التجارة فيستوي فيه إقرار المأذون والمحجور ، وإن صدقه المولى جاز ذلك عليه ، ولم يجز على الغرماء ; لأن تصديقه يعتبر في حق نفسه لا في إبطال حق الغير فيباع في دين الغرماء ، فإن فضل شيء منه يصرف إلى دين المرأة وإلا فيتأخر إلى ما بعد العتق ، ويملك الإقرار بالحدود والقصاص ; لأن المحجور يملك فالمأذون أولى ، وإذا أقر به فلا يشترط حضرة المولى للاستيفاء بلا خلاف .

وهل يشترط حضور المولى عند قيام البينة عليها ؟ فيه خلاف نذكره في موضعه وهل يملك تأخير دين له وجب على إنسان ، فإن وجب له وحده يملك بالإجماع ; لأن التأخير يحتاج إليه ، وكذا هو من عادة التجار ، وإن وجب له ولرجل آخر دين على إنسان فأخر المأذون نصيب نفسه فالتأخير باطل عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما جائز .

( وجه ) قولهما أن التأخير منه تصرف في ملك نفسه فيصح كما لو كان كل الدين له فأخره .

( وجه ) قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن التأخير لو صح لا يخلو إما أن يصح في نصيب شريكه ، وإما أن يصح في نصيب نفسه لا سبيل إلى الأول لانعدام الملك والولاية ، وتصرف الإنسان لا يصح في غير ملك ولا ولاية ولا سبيل إلى الثاني ; لأنه قسمة الدين قبل القبض ألا ترى أن شريكه لو قبض شيئا من نصيبه قبل حلول الأجل يختص بالمقبوض ولا يشاركه فيه ، ومعنى القسمة هو الاختصاص بالمقسوم ، وقد وجد فثبت أن هذا قسمة الدين قبل القبض وإنها غير جائزة ; لأن الدين اسم لفعل واجب وهو فعل تسليم المال ، والمال حكمي في الذمة ، وكل ذلك عدم حقيقة إلا أنه أعطي له حكم الوجود لحاجة الناس ; لأن كل أحد لا يملك ما يدفع به حاجته من الأعيان القائمة فيحتاج إلى الاستقراض والشراء بثمن دين فأعطي له حكم الوجود لهذه الحاجة ، ولا حاجة إلى قسمته فبقي في حق القسمة على أصل العدم ، والعدم لا يحتمل القسمة وإذا لم يصح التأخير عند أبي حنيفة - رحمه الله - فلو أخذ شريكه من الدين كان المأخوذ بينهما على الشركة كما قبل التأخير ، وعندهما كان المأخوذ له خاصة ولا يشاركه حتى يحل الأجل ; لأنه بالتأخير أسقط حق نفسه والمطالبة ، فإذا حل الأجل فهو بالخيار إن شاء شاركه في المقبوض ، وإن شاء أخذ حقه من الغريم ; لأن الدين حل بحلول الأجل ، ولو كان الدين في الأصل منهما جميعا مؤجلا فأخذ أحدهما شيئا قبل حل الأجل شاركه فيه صاحبه ; لأنه لما أخذ شيئا قبل حل الأجل فقد سقط الأجل عن قدر المقبوض وصار حالا فصار المقبوض من النصيبين جميعا فيشاركه فيه صاحبه كما في الدين الحال ولو كان الدين كله بينهما مؤجلا إلى سنة فأخره العبد سنة أخرى لم يجز التأخير عند أبي حنيفة .

وعندهما يجوز حتى لو أخذ شريكه من الغريم شيئا في السنة الأولى شاركه فيه عنده ، وعندهما لا يشاركه حتى يحل دينه فإذا حل فله الخيار على ما ذكرنا ، والله سبحانه وتعالى أعلم ولا يملك الإبراء عن الدين بالإجماع ; لأنه ليس من التجارة بل هو تبرع فلا يملكه المأذون وهل يملك الحط ، فإن كان الحط من غير عيب لا يملكه أيضا لما قلنا ، وإن كان الحط من عيب بأن باع شيئا ثم حط من ثمنه ينظر إن حط بالمعروف بأن حط مثل ما يحطه التجار عادة جاز ; لأن مثل هذا الحط من توابع التجارة ، وإن لم يكن بالمعروف بأن كان فاحشا جاز عند أبي حنيفة ، وعندهما لا يجوز ، وقد ذكرنا أصل المسألة فيما قبل ، وهل يملك الصلح بأن وجب له على إنسان دين فصالحه على بعض [ ص: 197 ] حقه ؟ .

فإن كان له عليه بينة لا يملكه ; لأنه حط بعض الدين ، والحط من غير عيب ليس من التجارة بل هو تبرع فلا يملكه المأذون ، وإن لم يكن له عليه بينة جاز ; لأنه إذا لم يكن له عليه بينة فلا حق له إلا الخصومة والحلف ، والمال خير من ذلك فكان في هذا الصلح منفعة فيصح ، وكذا الصلح على بعض الحق عند تعذر استيفاء كله من عادات التجار فكان داخلا تحت الإذن بالتجارة ، ويملك الإذن بالتجارة بأن يشتري عبدا فيأذن له بالتجارة ; لأن الإذن بالتجارة من عادات التجار بخلاف الكتابة أنه لا يملكها المأذون ; لأن الكتابة ليست من التجارة بل هي إعتاق معلق بشرط أداء بدل الكتابة فلا يملكها ويملك الاستقراض ; لأنه تجارة حقيقة وفيه منفعة وهو من عادات التجار وليس للمأذون أن يقرض ; لأن القرض تبرع للحال ، ولهذا لم يلزم فيه الأجل .

ولا يكفل بمال ولا بنفس ; لأن الكفالة تبرع إلا إذا أذن له المولى بالكفالة ، ولم يكن عليه دين بخلاف المكاتب أنه لا تجوز كفالته أصلا على ما مر في كتاب الكفالة ولا يهب درهما تاما لا بغير عوض ولا بعوض ، وكذا لا يتصدق بدرهم ولا يكسو ثوبا ; لأنه تبرع ويجوز تبرعه بالطعام اليسير إذا وهب أو أطعم استحسانا ، والقياس أن لا يجوز ; لأنه تبرع ، وإن قل إلا أنا استحسنا الجواز لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { كان يجيب دعوة المملوك } ، ولأن هذا من ضرورات التجارة عادة فكان الإذن فيه ثابتا بطريق الدلالة فيملكه ولهذا ملكت المرأة التصدق بشيء يسير كالرغيف ونحوه من مال زوجها لكونها مأذونة في ذلك دلالة كذا هذا ، ولا يتزوج من غير إذن مولاه ; لأن التزوج ليس من باب التجارة وفيه ضرر بالمولى ولا يتسرى جارية من إكسابه ; لأنه لا ملك للعبد حقيقة ، وحل الوطء بدون أحد الملكين منفي شرعا .

وسواء أذن له المولى بالتسري أو لم يأذن له لما ذكرنا أن العبد لا يملك شيئا ; لأنه مملوك فيستحيل أن يكون مالكا وبالإذن لا يخرج عن كونه مملوكا فلا تندفع الاستحالة ولا يزوج عبده بالإجماع ; لأن التزويج ليس من التجارة وفيه أيضا ضرر بالمولى وهل له أن يزوج أمته قال أبو حنيفة : ومحمد لا يزوج ، وقال أبو يوسف : يزوج .

( وجه ) قوله أن هذا تصرف نافع في حق المولى ; لأنه مقابلة ما ليس بمال فكان أنفع من البيع ; لأنه يملك البيع فالنكاح أولى وجه قولهما أن الداخل تحت الإذن هو التجارة ، وإنكاح الأمة وإن كان نافعا في حق المولى فليس بتجارة إذ التجارة مبادلة مال بمال ، ولم توجد فلا يملكه ولا يعتق ، وإن كان على مال ; لأنه ليس بتجارة بل هو تبرع للحال ألا ترى أنه يعتق بنفس القبول فأشبه القرض ولا يملك القرض فلا يملك الإعتاق على مال ، وإن أعتق على مال ، فإن لم يكن عليه دين وقف على إجازة المولى بالإجماع ، فإن أجاز جاز ; لأنه إذا لم يكن عليه دين يملك المولى إنشاء العتق فيه فيملك الإجازة بالطريق الأولى ، وولاية قبض العوض للمولى لا للعبد لما نذكر ، وإن لحقه دين بعد ذلك لم يكن للغرماء حق في هذا المال ; لأنه كسب الحر ، وإن كان عليه دين لم يجز الإعتاق .

وإن أجاز المولى عند أبي حنيفة رحمه الله ، وعندهما يجوز ويضمن المولى قيمة العبد للغرماء ولا سبيل للغرماء على العوض بخلاف ما إذا كان مكان الإعتاق كتابة أن عندهما يتعلق حق الغرماء بالبدل ، وههنا لا يتعلق ; لأن هذا كسب الحر وذاك كسب الرقيق وحق الغريم يتعلق بكسب الرقيق ، ولا يتعلق بكسب الحر ولا يكاتب سواء كان عليه دين أو لم يكن ; لأن الكتابة ليست بتجارة فلا يملكها المأذون ، ولأنها إعتاق معلق بالشرط وهو لا يملك الإعتاق ، فإن كاتب ، فإن لم يكن عليه دين وقف على إجازة المولى ; لأنه إذا لم يكن عليه دين فكسبه خالص ملك المولى لا حق لأحد فيه فيملك الإجازة ألا ترى أنه يملك الإنشاء ، فالإجازة أولى .

فإن أجاز نفذ وصار مكاتبا للمولى ، وولاية قبض بدل الكتابة للمولى لا للعبد ; لأن الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة فكان العبد بمنزلة وكيل المولى في الكتابة ، وحقوق الكتابة ترجع إلى المولى لا إلى الوكيل لذلك لم يملك المأذون قبض بدل الكتابة وملكه المولى ، ولو لحق العبد بعد ذلك دين فليس للغرماء فيما على المكاتب حق ; لأنه لما صار مكاتبا للمولى فقد صار كسبا منتزعا من يد المأذون فلا يكون للغرماء عليه سبيل .

وإن كان المكاتب قد أدى جميع بدل الكتابة إلى المأذون قبل إجازة المولى لم يعتق ; لأن الكتابة لم تنفذ لانعدام شرط النفاذ وهو الإجازة ، وإن كان عليه دين محيط برقبته وبما في يده لا تصح إجازة المولى عند أبي حنيفة - رحمه الله - حتى لا يعتق إذا أدى البدل [ ص: 198 ] لأن كسب العبد المأذون الذي عليه دين محيط لا يكون ملكا للمولى عنده ولهذا لا يملك إنشاء الكتابة فلا يملك الإجازة ، وعندهما تصح إجازته كما يصح إنشاء الكتابة منه ويعتق إذا أدى ويضمن المولى قيمته للغرماء لتعلق حقهم به فصار متلفا عليهم حقهم ، وما قبض المأذون من بدل الكتابة قبل الإجازة يستوفى منه الدين عندهما لتعلق حق الغرماء به قبل الإجازة بخلاف الإعتاق على مال ، وقد ذكرنا وجه الفرق لهما فكانت الإجازة في المعنى إنشاء الكتابة ، ولو أنشأ ضمن القيمة عندهما كذا هذا ، وإن لم يكن الدين محيطا برقبته وبما في يده جازت إجازته بالإجماع ويضمن قيمته للغرماء لإتلاف حقهم ، والله الموفق للصواب .

التالي السابق


الخدمات العلمية