بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
ويكره أن يكون الإمام على دكان والقوم أسفل منه ، والجملة فيه أنه لا يخلو إما أن كان الإمام على الدكان والقوم أسفل منه أو كان القوم على الدكان والإمام أسفل منهم ، ولا يخلو إما أن كان الإمام وحده أو كان بعض القوم معه ، وكل ذلك لا يخلو إما أن كان في حالة الاختيار أو في حالة العذر ، أما في حالة الاختيار فإن كان الإمام وحده على الدكان والقوم أسفل منه يكره سواء كان المكان قدر قامة الرجل أو دون ذلك في ظاهر الرواية وروى الطحاوي أنه لا يكره ما لم يجاوز القامة ; لأن في الأرض هبوطا وصعودا وقليل الارتفاع عفو والكثير ليس بعفو فجعلنا الحد الفاصل ما يجاوز القامة .

وروي عن أبي يوسف أنه إذا كان دون القامة لا يكره ، والصحيح جواب ظاهر الرواية لما روي أن حذيفة بن اليمان قام بالمدائن ليصلي بالناس على دكان فجذبه سلمان الفارسي ثم قال : ما الذي أصابك ؟ أطال العهد أم نسيت ؟ أما سمعت رسول ول الله صلى الله عليه وسلم يقول { : لا يقوم الإمام على مكان أنشز مما عليه أصحابه ؟ } وفي رواية أما علمت أن أصحابك يكرهون ذلك ؟ فقال [ ص: 217 ] تذكرت حين جذبتني ، ولا شك أن المكان الذي يمكن الجذب عنه ما دون القامة ، وكذا الدكان المذكور يقع على المتعارف وهو ما دون القامة ; ولأن كثير المخالفة بين الإمام والقوم يمنع الصحة فقليلها يورث الكراهة ; ولأن هذا صنيع أهل الكتاب ، وإن كان الإمام أسفل من القوم يكره في ظاهر الرواية ، وروى الطحاوي عن أصحابنا أنه لا يكره ووجهه أن الموجب للكراهة التشبه بأهل الكتاب في صنيعهم ولا تشبه ههنا ; لأن مكان إمامهم لا يكون أسفل من مكان القوم وجواب ظاهر الرواية أقرب إلى الصواب ; لأن كراهة كون المكان أرفع كان معلولا بعلتين التشبه بأهل الكتاب ووجود بعض المفسد وهو اختلاف المكان وههنا وجدت إحدى العلتين وهي وجود بعض المخالفة هذا إذا كان الإمام وحده فإن كان بعض القوم معه اختلف المشايخ فيه فمن اعتبر معنى التشبه قال : لا يكره وهو قياس رواية الطحاوي ; لزوال معنى التشبه ; لأن أهل الكتاب لا يشاركون الإمام في المكان ، ومن اعتبر وجود بعض المفسد قال : يكره وهو قياس ظاهر الرواية ; لوجود بعض المخالفة .

وأما في حالة العذر كما في الجمع والأعياد لا يكره كيفما كان لعدم إمكان المراعاة .

التالي السابق


الخدمات العلمية