بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
ومنها البلوغ عندنا فلا تجب على الصبي وهو قول علي وابن عباس فإنهما قالا : " لا تجب الزكاة على الصبي حتى تجب عليه الصلاة " وعند الشافعي ليس بشرط وتجب الزكاة في مال الصبي ، ويؤديها الولي وهو قول ابن عمر وعائشة وكان ابن مسعود يقول : يحصي الولي أعوام اليتيم فإذا بلغ أخبره وهذا إشارة إلى أنه تجب الزكاة لكن ليس للولي ولاية الأداء .

وهو قول ابن أبي ليلى حتى قال : " لو أداها الولي من ماله ضمن " ومن أصحابنا من بنى المسألة على أصل وهو أن الزكاة عبادة عندنا ، والصبي ليس من أهل وجوب العبادة فلا تجب عليه كما لا يجب عليه الصوم والصلاة ، وعند الشافعي حق العبد والصبي من أهل وجوب حقوق العباد كضمان المتلفات ، وأروش الجنايات ، ونفقة الأقارب والزوجات ، والخراج ، والعشر وصدقة الفطر ، ولإن كانت عبادة فهي عبادة مالية تجرى فيها النيابة حتى تتأدى بأداء الوكيل ، والولي نائب الصبي فيها فيقوم مقامه في إقامة هذا الواجب بخلاف العبادات البدنية ; لأنها لا تجري فيها النيابة ومنهم من تكلم فيها ابتداء .

أما الكلام فيها على وجه البناء فوجه قوله : النص ، ودلالة الإجماع ، والحقيقة أما النص فقوله تعالى { : إنما الصدقات للفقراء } وقوله عز وجل { : وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم } والإضافة بحرف اللام تقتضي الاختصاص بجهة الملك إذا كان المضاف إليه من أهل الملك وأما دلالة الإجماع فلأنا أجمعنا على أن من عليه الزكاة إذا وهب جميع النصاب من الفقير ولم تحضره النية تسقط عنه الزكاة ، والعبادة لا تتأدى بدون النية ولذا يجرى فيها الجبر والاستحلاف من الساعي [ ص: 5 ] وإنما يجريان في حقوق العباد وكذا يصح توكيل الذمي بأداء الزكاة والذمي ليس من أهل العبادة .

وأما الحقيقة فإن الزكاة تمليك المال من الفقير ، والمنتفع بها هو الفقير فكانت حق الفقير والصبا لا يمنع حقوق العباد على ما بينا .

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم { : بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا } وما بني عليه الإسلام يكون عبادة والعبادات التي تحتمل السقوط تقدر في الجملة ، فلا تجب على الصبيان كالصوم والصلاة .

وأما الآية فالمراد من الصدقة المذكورة فيها محل الصدقة ، وهو المال لا نفس الصدقة ; لأنها اسم للفعل وهو إخراج المال إلى الله تعالى وذلك حق الله تعالى لا حق الفقير ، وكذلك الحق المذكور في الآية الأخرى المراد منه المال ، وذا ليس بزكاة بل هو محل الزكاة وسقوط الزكاة بهبة النصاب من الفقير لوجود النية دلالة والجبر على الأداء ليؤدي من عليه بنفسه لا ينافي العبادة حتى لو مد يده وأخذه من غير أداء من عليه لا تسقط عنه الزكاة عندنا وجريان الاستخلاف لثبوت ولاية المطالبة للساعي ليؤدي من عليه باختياره وهذا لا يقتضي كون الزكاة حق العبد وإنما جازت بأداء الوكيل ; لأن المؤدي في الحقيقة هو الموكل ، والخراج ليس بعبادة بل هو مؤنة الأرض وصدقة الفطر ممنوعة على قول محمد .

وأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف فلأنها مؤنة من وجه قال النبي صلى الله عليه وسلم { : أدوا عمن تمونون } فتجب بوصف المؤنة لا بوصف العبادة وهو الجواب عن العشر .

وأما الكلام في المسألة على وجه الابتداء فالشافعي احتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { : ابتغوا في أموال اليتامى خيرا كي لا تأكلها الصدقة } ولو لم تجب الزكاة في مال اليتيم ما كانت الصدقة تأكلها .

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من ولي يتيما فليؤد زكاة ماله } .

وروي { من ولي يتيما فليزك ماله } ، ولعمومات الزكاة من غير فصل بين البالغين والصبيان ولأن سبب وجوب الزكاة ملك النصاب وقد وجد فتجب الزكاة فيه كالبالغ .

( ولنا ) أنه لا سبيل إلى الإيجاب على الصبي ; لأنه مرفوع القلم بالحديث ولأن إيجاب الزكاة إيجاب الفعل وإيجاب الفعل على العاجز عن الفعل تكليف ما ليس في الوسع ولا سبيل إلى الإيجاب على الولي ليؤدي من مال الصبي ; لأن الولي منهي عن قربان مال اليتيم إلا على وجه الأحسن بنص الكتاب وأداء الزكاة من ماله قربان ماله لا على وجه الأحسن لما ذكرنا في الخلافيات والحديثان غريبان أو من الآحاد فلا يعارضان الكتاب مع ما أن اسم الصدقة يطلق على النفقة .

قال صلى الله عليه وسلم { : نفقة الرجل على نفسه صدقة وعلى عياله صدقة } وفي الحديث ما يدل عليه ; لأنه أضاف الأكل إلى جميع المال ، والنفقة هي التي تأكل الجميع لا الزكاة أو تحمل الصدقة والزكاة على صدقة الفطر ; لأنها تسمى زكاة وأما قوله { : من ولي يتيما فليزك ماله } أي : ليتصرف في ماله كي ينمو ماله إذ التزكية هي التنمية توفيقا بين الدلائل ، وعمومات الزكاة لا تتناول الصبيان أو هي مخصوصة فتخص المتنازع فيه بما ذكرنا والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية