بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
( فصل ) :

وأما حكم فساد الصوم : ففساد الصوم يتعلق به أحكام بعضها يعم الصيامات كلها ، وبعضها يخص البعض دون البعض ، أما الذي يعم الكل : فالإثم إذا أفسد بغير عذر لأنه أبطل عمله من غير عذر وإبطال العمل من غير عذر حرام ، لقوله تعالى { : ولا تبطلوا أعمالكم } وقال الشافعي : كذلك إلا في صوم التطوع بناء على أن الشروع في التطوع موجب للإتمام عندنا ، وعنده ليس بموجب ، ، والمسألة ذكرناها في كتاب الصلاة ، وإن كان بعذر لا يأثم وإذا اختلف الحكم بالعذر فلا بد من معرفة .

الأعذار المسقطة للإثم ، والمؤاخذة فنبينها بتوفيق الله تعالى فنقول : هي المرض ، والسفر ، والإكراه ، والحبل ، والرضاع ، والجوع ، والعطش ، وكبر السن ، لكن بعضها مرخص ، وبعضها مبيح مطلق لا موجب ، كما فيه خوف زيادة ضرر دون خوف الهلاك ، فهو مرخص وما فيه خوف الهلاك فهو مبيح مطلق بل موجب فنذكر جملة ذلك فنقول : أما المرض فالمرخص منه هو الذي يخاف أن يزداد بالصوم وإليه وقعت الإشارة في الجامع الصغير .

فإنه قال في رجل خاف إن لم يفطر أن تزداد عيناه وجعا ، أو حماه شدة أفطر ، وذكر الكرخي في مختصره : أن المرض الذي يبيح الإفطار هو ما يخاف منه الموت ، أو زيادة العلة كائنا ما كانت العلة .

وروي عن أبي حنيفة أنه إن كان بحال يباح له أداء صلاة الفرض قاعدا فلا بأس بأن يفطر ، والمبيح المطلق بل الموجب هو الذي يخاف منه الهلاك لأن فيه إلقاء النفس إلى التهلكة لا لإقامة حق الله تعالى وهو الوجوب ، والوجوب لا يبقى في هذه الحالة ، وإنه حرام فكان الإفطار مباحا بل واجبا وأما السفر فالمرخص منه هو مطلق السفر المقدر ، والأصل فيهما قوله تعالى { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } أي : فمن كان منكم مريضا ، أو على سفر فأفطر بعذر المرض ، والسفر فعدة من أيام أخر ، دل أن المرض ، والسفر سببا الرخصة ثم السفر ، والمرض وإن أطلق ذكرهما في الآية فالمراد منهما المقيد لأن مطلق السفر ليس بسبب الرخصة لأن حقيقة السفر هو الخروج عن الوطن ، أو الظهور ، وذا يحصل بالخروج إلى الضيعة ولا تتعلق به الرخصة فعلم أن المرخص سفر مقدر بتقدير معلوم وهو الخروج عن الوطن على قصد مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا عندنا ، وعند الشافعي يوم وليلة ، وقد مضى الكلام في تقديره في كتاب الصلاة ، وكذا مطلق المرض ليس بسبب للرخصة لأن الرخصة بسبب المرض ، والسفر لمعنى المشقة بالصوم تيسيرا لهما وتخفيفا عليهما على ما قال الله تعالى { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ومن الأمراض ما ينفعه الصوم ويخفه ويكون الصوم على المريض أسهل من الأكل ، بل الأكل يضره ويشتد عليه ، ومن التعبد الترخص بما يسهل على المريض تحصيله ، والتضييق بما يشتد عليه ، وفي الآية دلالة وجوب القضاء على من أفطر بغير عذر لأنه لما وجب القضاء على المريض ، والمسافر مع أنهما أفطرا بسبب العذر المبيح للإفطار فلأن يجب على غير ذي العذر أولى ، وسواء كان السفر سفر طاعة ، أو مباحا ، أو معصية عندنا ، وعند الشافعي سفر المعصية لا يفيد الرخصة ، ، والمسألة مضت في كتاب الصلاة والله أعلم وسواء سافر قبل دخول شهر رمضان ، أو بعده أن له أن يترخص فيفطر عند عامة الصحابة ، وعن علي وابن عباس رضي الله عنهما أنه إذا أهل في المصر ثم سافر لا يجوز له أن يفطر ، وجه قولهما أنه لما استهل في الحضر [ ص: 95 ] لزمه صوم الإقامة ، وهو صوم الشهر حتما فهو بالسفر يريد إسقاطه عن نفسه فلا يملك ذلك كاليوم الذي سافر فيه ، إنه لا يجوز له أن يفطر فيه لما بينا ، كذا هذا ولعامة الصحابة رضي الله عنهم قوله تعالى { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } جعل الله مطلق السفر سبب الرخصة ، ولأن السفر إنما كان سبب الرخصة لمكان المشقة وإنها توجد في الحالين فتثبت الرخصة في الحالين جميعا .

وأما وجه قولهما إن بالإهلال في الحضر لزمه صوم الإقامة ، فنقول : نعم إذا أقام ، أما إذا سافر يلزمه صوم السفر ، وهو أن يكون فيه رخصة الإفطار لقوله تعالى { فمن كان منكم مريضا أو على سفر } فكان ما قلناه عملا بالآيتين .

فكان أولى بخلاف اليوم الذي سافر فيه لأنه كان مقيما في أول اليوم فدخل تحت خطاب المقيمين في ذلك اليوم فلزمه إتمامه حتما .

فأما اليوم الثاني ، والثالث فهو مسافر فلا يدخل تحت خطاب المقيمين ، ولأن من المشايخ من قال : إن الجزء الأول من كل يوم سبب لوجوب صوم ذلك اليوم ، وهو كان مقيما في أول الجزء فكان الجزء الأول سببا لوجوب صوم الإقامة .

وأما في اليوم الثاني ، والثالث فهو مسافر فيه فكان الجزء الأول في حقه سببا لوجوب صوم السفر فيثبت الوجوب مع رخصة الإفطار ولو لم يترخص المسافر وصام رمضان جاز صومه وليس عليه القضاء في عدة أيام أخر ، وقال بعض الناس : لا يجوز صومه في رمضان ولا يعتد به ويلزمه القضاء ، وحكى القدوري فيه اختلافا بين الصحابة فقال : يجوز صومه في قول أصحابنا وهو قول علي وابن عباس وعائشة وعثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنهم وعند عمر وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم لا يجوز ، وحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } أمر المسافر بالصوم في أيام أخر مطلقا ، سواء صام في رمضان ، أو لم يصم إذ الإفطار غير مذكور في الآية ، فكان هذا من الله تعالى جعل وقت الصوم في حق المسافر أياما أخر وإذا صام في رمضان فقد صام قبل وقته فلا يعتد به في منع لزوم القضاء .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { : من صام في السفر فقد عصى أبا القاسم } ، والمعصية مضادة للعبادة .

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { الصائم في السفر كالمفطر في الحضر } فقد حقق له حكم الإفطار ( ولنا ) ما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام في السفر وروي أنه أفطر } كذا روي عن الصحابة أنهم صاموا في السفر وروي أنهم أفطروا حتى روي أن عليا رضي الله عنه أهل هلال رمضان وهو يسير إلى نهروان فأصبح صائما ، ولأن الله تعالى جعل المرض ، والسفر من الأعذار المرخصة للإفطار تيسيرا وتخفيفا على أربابها وتوسيعا عليهم ، قال الله تعالى { : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }

فلو تحتم عليهم الصوم في غير السفر ولا يجوز في السفر لكان فيه تعسير وتضييق عليهم ، وهذا يضاد موضوع الرخصة وينافي معنى التيسير فيؤدي إلى التناقض في وضع الشرع ، تعالى الله عن ذلك ، ولأن السفر لما كان سبب الرخصة فلو وجب القضاء مع وجود الأداء لصار ما هو سبب الرخصة سبب زيادة فرض لم يكن في حق غير صاحب العذر وهو القضاء مع وجود الأداء فيتناقض ، ولأن جواز الصوم للمسافر في رمضان مجمع عليه فإن التابعين أجمعوا عليه بعد وقوع الاختلاف فيه بين الصحابة رضي الله عنهم ، والخلاف في العصر الأول لا يمنع انعقاد الإجماع في العصر الثاني ، بل الإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم عندنا على ما عرف في أصول الفقه وبه تبين أن الإفطار مضمر في الآية ، وعليه إجماع أهل التفسير وتقديرها : فمن كان منكم مريضا ، أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر .

وعلى ذلك يجري ذكر الرخص على أنه ذكر الحظر في القرآن ; قال الله تعالى { : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } إلى قوله تعالى { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } أي : من اضطر فأكل لأنه لا إثم يلحقه بنفس الاضطرار وقال تعالى { : وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } أي : فإن أحصرتم فأحللتم فما استيسر من الهدي لأنه معلوم أنه على النسك من الحج ما لم يوجد الإحلال وقال الله تعالى { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام } أي : فمن كان منكم مريضا ، أو به أذى من رأسه فحلق ودفع الأذى عن رأسه ففدية من صيام ، ونظائره كثيرة في القرآن ، والحديثان محمولان على ما إذا كان الصوم يجهده ويضعفه فإذا لم يفطر في السفر في هذه الحالة صار كالذي أفطر في الحضر لأنه يجب عليه الإفطار في هذه الحالة لما في الصوم [ ص: 96 ] في هذه الحالة من إلقاء النفس إلى التهلكة ، وأنه حرام ، ثم الصوم في السفر أفضل من الإفطار عندنا ، إذا لم يجهده الصوم ولم يضعفه .

وقال الشافعي : الإفطار أفضل بناء على أن الصوم في السفر عندنا عزيمة ، والإفطار رخصة وعند الشافعي على العكس من ذلك ، وذكر القدوري في المسألة اختلاف الصحابة فقال : روي عن حذيفة وعائشة وعروة بن الزبير مثل مذهبنا وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما مثل مذهبه واحتج بما روينا من الحديثين في المسألة الأولى ، ولنا قوله تعالى { : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم } إلى قوله تعالى { ولتكملوا العدة } ، والاستدلال بالآية من وجوه أحدها : أنه أخبر أن الصيام مكتوب على المؤمنين عاما أي : مفروض إذ الكتابة هي الفرض لغة ، والثاني : أنه أمر بالقضاء عند الإفطار بقوله عز وجل { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ، والأمر بالقضاء عند الإفطار دليل الفرضية من وجهين أحدهما : أن القضاء لا يجب في الآداب وإنما يجب في الفرائض ، والثاني : أن القضاء بدل عن الأداء فيدل على وجوب الأصل ، والثالث : أن الله تعالى من علينا بإباحة الإفطار بعذر المرض والسفر بقوله تعالى { : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } أي : يريد الإذن لكم بالإفطار للعذر ولو لم يكن الصوم فرضا لم يكن للامتنان بإباحة الفطر معنى لأن الفطر مباح في صوم النفل بالامتناع عنه ، والرابع : أنه قال { : ولتكملوا العدة } شرط إكمال العدة في القضاء وهو دليل لزوم حفظ المتروك لئلا يدخل التقصير في القضاء ، وإنما يكون ذلك في الفرائض .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من كانت له حمولة تأوي إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه } أمر المسافر بصوم رمضان إذا لم يجهده الصوم فثبت بهذه الدلائل أن صوم رمضان فرض على المسافر إلا أنه رخص له الإفطار وأثر الرخصة في سقوط المأثم لا في سقوط الوجوب ، فكان وجوب الصوم عليه هو الحكم الأصلي وهو معنى العزيمة .

وروي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { المسافر إن أفطر فرخصة وإن يصم فهو أفضل } وهذا نص في الباب لا يحتمل التأويل وما ذكرنا من الدلائل في هذه المسألة حجة في المسألة الأولى لأنها تدل على وجوب الصوم على المسافر في رمضان ، وما لا يعتد به لا يجب ، والجواب عن تعلقه بالحديثين ما ذكرناه في المسألة الأولى أنهما يحملان على حال خوف التلف على نفسه لو صام عملا بالدلائل أجمع بقدر الإمكان وهذا الذي ذكرنا من وجوب الصوم على المسافر في رمضان قول عامة مشايخنا وعند بعضهم لا وجوب على المسافر في رمضان ، والإفطار مباح مطلق لأنه ثبت رخصة وتيسيرا عليه .

ومعنى الرخصة وهو التيسير ، والسهولة في الإباحة المطلقة أكمل لما فيه من سقوط الحظر ، والمؤاخذة جميعا ، إلا أنه إذا ترك الترخص واشتغل بالعزيمة يعود حكم العزيمة ، لكن مع هذا ; الصوم في حقه أفضل من الإفطار لما روينا من حديث أنس رضي الله عنه وأما المبيح المطلق من السفر فما فيه خوف الهلاك بسبب الصوم ، والإفطار في مثله واجب فضلا عن الإباحة لما ذكرنا في المرض .

التالي السابق


الخدمات العلمية