بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
ولو سال الدم إلى ما لان من الأنف أو إلى صماخ الأذن يكون حدثا لوجود خروج النجس ، وهو انتقال الدم من الباطن إلى الظاهر .

وروي عن محمد في رجل أقلف خرج البول أو المذي من ذكره ، حتى صار في قلفته فعليه الوضوء ، وصار بمنزلة المرأة إذا خرج المذي ، أو البول من فرجها ، ولم يظهر ، ولو حشا الرجل إحليله بقطنة فابتل الجانب الداخل منها لم ينتقض وضوءه لعدم الخروج ، وإن تعدت البلة إلى الجانب الخارج ينظر إن كانت القطنة عالية أو محاذية لرأس الإحليل ينتقض وضوءه لتحقق الخروج .

وإن كانت متسفلة لم ينتقض ، لأن الخروج لم يتحقق ، ولو حشت المرأة فرجها بقطنة فإن وضعتها في الفرج الخارج فابتل الجانب الداخل من القطنة كان حدثا ، وإن لم ينفذ إلى الجانب الخارج لا يكون حدثا ، لأن الفرج الخارج منها بمنزلة الأليتين من الدبر فوجد الخروج ، وإن وضعتها في الفرج الداخل فابتل الجانب الداخل من القطنة لم يكن حدثا لعدم الخروج ، وإن تعدت البلة إلى الجانب الخارج فإن كانت القطنة عالية ، أو محاذية لجانب الفرج كان حدثا لوجود الخروج ، وإن كانت متسفلة لم يكن حدثا لعدم الخروج ، وهذا كله إذا لم تسقط القطنة فإن سقطت القطنة فهو حدث ، وحيض في المرأة سواء ابتل الجانب الخارج ، أو الداخل لوجود الخروج .

ولو كان في أنفه قرح فسال الدم عن رأس القرح يكون حدثا ، وإن لم يخرج من المنخر لوجود السيلان عن محله ، ولو بزق فخرج معه الدم إن كانت الغلبة للبزاق لا يكون حدثا ، لأنه ما خرج بقوة نفسه .

وإن كانت الغلبة للدم يكون حدثا ، لأن الغالب إذا كان هو البزاق لم يكن خارجا بقوة نفسه فلم يكن سائلا ، وإن كان الغالب هو الدم كان خروجه بقوة نفسه فكان سائلا ، وإن كانا سواء [ ص: 27 ] فالقياس أن لا يكون حدثا ، وفي الاستحسان يكون حدثا وجه القياس أنهما إذا استويا احتمل أن الدم خرج بقوة نفسه ، واحتمل أنه خرج بقوة البزاق ، فلا يجعل حدثا بالشك ، وللاستحسان وجهان أحدهما أنهما إذا استويا تعارضا فلا يمكن أن يجعل أحدهما تبعا للآخر فيعطى كل واحد منهما حكم نفسه فيعتبر خارجا بنفسه فيكون سائلا ، والثاني أن الأخذ بالاحتياط عند الاشتباه واجب ، وذلك فيما قلنا .

ولو ظهر الدم على رأس الجرح فمسحه مرارا فإن كان بحال لو تركه لسال يكون حدثا ، وإلا ، فلا ، لأن الحكم متعلق بالسيلان ، ولو ألقى عليه الرماد ، أو التراب فتشرب فيه ، أو ربط عليه رباطا فابتل الرباط ، ونفذ قالوا : يكون حدثا لأنه سائل ، وكذا لو كان الرباط ذا طاقين فنفذ إلى أحدهما لما قلنا .

ولو سقطت الدودة أو اللحم من الفرج لم يكن حدثا ، ولو سقطت من السبيلين يكون حدثا ، والفرق أن الدودة الخارجة من السبيل نجسة في نفسها لتولدها من الأنجاس وقد خرجت بنفسها ، وخروج النجس بنفسه حدث بخلاف الخارجة من القرح لأنها طاهرة نفسها لأنها تتولد من اللحم ، واللحم طاهر ، وإنما النجس ما عليها من الرطوبات ، وتلك الرطوبات خرجت بالدابة لا بنفسها فلم يوجد خروج النجس ، فلا يكون حدثا .

ولو خلل أسنانه فظهر الدم على رأس الخلال لا يكون حدثا ، لأنه ما خرج بنفسه ، وكذا لو عض على شيء فظهر الدم على أسنانه لما قلنا ، ولو سعط في أنفه ووصل السعوط إلى رأسه ، ثم رجع إلى الأنف أو إلى الأذن لا يكون حدثا لأن الرأس ليس موضع الأنجاس ، ولو عاد إلى الفم ، ذكر الكرخي أنه لا يكون حدثا لما قلنا وروى علي بن الجعد عن أبي يوسف أن حكمه حكم القيء ، لأن ما وصل إلى الرأس لا يخرج من الفم إلا بعد نزوله في الجوف .

ولو قاء بلغما لم يكن حدثا في قول أبي حنيفة ، ومحمد وعند أبي يوسف يكون حدثا فمن مشايخنا من قال لا خلاف في المسألة ، لأن جواب أبي يوسف في الصاعد من المعدة ، وهو حدث عند الكل وجوابهما في المنحدر من الرأس ، وهو ليس بحدث عند الكل ، ومنهم من قال في المنحدر من الرأس اتفاق أنه ليس بحدث .

وفي الصاعد من المعدة اختلاف .

وجه قول أبي يوسف أنه نجس لاختلاطه بالأنجاس ، لأن المعدة معدن الأنجاس فيكون حدثا كما لو قاء طعاما أو ماء ، ولهما أنه شيء صقيل لا يلتصق به شيء من الأنجاس فكان طاهرا على أن الناس من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتادوا أخذ البلغم بأطراف أرديتهم ، وأكمامهم من غير نكير فكان إجماعا منهم على طهارته ، وذكر أبو منصور أنه لا خلاف في المسألة في الحقيقة ، لأن جواب أبي يوسف في الصاعد من المعدة ، وأنه حدث بالإجماع ، لأنه نجس وجوابهما في الصاعد من حواشي الحلق ، وأطراف الرئة ، وأنه ليس بحدث بالإجماع ، لأنه ظاهر فينظر إن كان صافيا غير مخلوط بشيء من الطعام ، وغيره تبين أنه لم يصعد من المعدة ، فلا يكون نجسا ، فلا يكون حدثا ، وإن كان مخلوطا بشيء من ذلك تبين أنه صعد منها فكان نجسا فيكون حدثا ، وهذا هو الأصح .

وأما إذا قاء دما فلم يذكر في ظاهر الرواية نصا ، وذكر المعلى عن أبي حنيفة ، وأبي يوسف أنه يكون حدثا قليلا كان ، أو كثيرا جامدا كان ، أو مائعا .

وروي عن الحسن بن زياد عنهما أنه إن كان مائعا ينقض قل ، أو كثر ، وإن كان جامدا لا ينقض ما لم يملأ الفم وروى ابن رستم عن محمد أنه لا يكون حدثا ما لم يملأ الفم كيفما كان ، وبعض مشايخنا صححوا رواية محمد ، وحملوا رواية الحسن ، والمعلى في القليل من المائع على الرجوع .

وعليه اعتمد شيخنا ، لأنه الموافق لأصول أصحابنا في اعتبار خروج النجس ، لأن الحدث اسم له ، والقليل ليس بخارج لما مر ، وإليه أشار في الجامع الصغير من غير خلاف فإنه قال ، وإذا قلس أقل من ملء الفم لم ينتقض الوضوء من غير فصل بين الدم ، وغيره ، وعامة مشايخنا حققوا الاختلاف ، وصححوا قولهما ، لأن القياس في القليل من سائر أنواع القيء أن يكون حدثا لوجود الخروج حقيقة ، وهو الانتقال من الباطن إلى الظاهر ، لأن الفم له حكم الظاهر على الإطلاق ، وإنما سقط اعتبار القليل لأجل الحرج لأنه يكثر وجوده .

ولا حرج في اعتبار القليل من الدم ، لأنه لا يغلب وجوده بل يندر فبقي على أصل القياس ، والله أعلم هذا الذي ذكرنا حكم الأصحاء .

التالي السابق


الخدمات العلمية