بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
( فصل ) :

وأما بيان ما يسن وما يستحب للصائم وما يكره له أن يفعله فنقول : يسن للصائم السحور لما روي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { : إن فصلا بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور } ولأنه يستعان به على صيام النهار ، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم في الندب إلى السحور فقال : {استعينوا بقائلة النهار على قيام الليل وبأكل السحور على صيام النهار } والسنة فيها هو التأخير لأن معنى الاستعانة فيه أبلغ .

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ثلاث من سنن المرسلين : تأخير السحور ، وتعجيل الإفطار ، ووضع اليمين على الشمال تحت السرة في الصلاة } وفي رواية قال : { ثلاث من أخلاق المرسلين } .

ولو شك في طلوع الفجر فالمستحب له أن لا يأكل هكذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال : إذا شك في الفجر فأحب إلي أن يدع الأكل لأنه يحتمل أن الفجر قد طلع فيكون الأكل إفسادا للصوم فيتحرز عنه .

والأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لوابصة بن معبد : { الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك } ولو أكل وهو شاك لا يحكم عليه بوجوب القضاء عليه لأن فساد الصوم مشكوك فيه لوقوع الشك في طلوع الفجر مع أن الأصل هو بقاء الليل فلا يثبت النهار بالشك .

وهل يكره الأكل مع الشك ؟ روى هشام عن أبي يوسف أنه يكره .

وروى ابن سماعة عن محمد أنه لا يكره والصحيح قول أبي يوسف ، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا شك فلا يأكل وإن أكل فقد أساء لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { : ألا إن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه } .

والذي يأكل مع الشك في طلوع الفجر يحوم حول الحمى فيوشك أن يقع فيه فكان بالأكل معرضا صومه للفساد فيكره له ذلك .

وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه لو ظهر على أمارة الطلوع من ضرب الدبداب والأذان يكره ، وإلا فلا ، ولا تعويل على ذلك لأنه مما يتقدم ويتأخر هذا إذا تسحر وهو شاك في طلوع الفجر ، فأما إذا تسحر وأكبر رأيه أن الفجر طالع فذكر في الأصل وقال : إن الأحب إلينا أن يقضي ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يقضي ، وذكر القدوري أن الصحيح أنه لا قضاء عليه ، وجه رواية الأصل أنه على يقين من الليل فلا يبطل إلا بيقين مثله .

وجه رواية الحسن أن غالب الرأي دليل واجب العمل به بل هو في حق وجوب العمل في الأحكام بمنزلة اليقين .

وعلى رواية الحسن اعتمد شيخنا رحمه الله .

التالي السابق


الخدمات العلمية